Showing posts with label Aswan & Nubia. Show all posts
Showing posts with label Aswan & Nubia. Show all posts

Wednesday, February 8, 2017

عن المدن

والمدن كالبشر.. منها اللئيم.. ومنها الكريم.. منها من تمنحك حُبها بلا شرط، ومنها من تمتص منك الحياة بمجرد أن تطأها قدمك.. قال لي صديق ذات مرة: " القاهرة جميلة كمكان. أهلها هم من يحولونها لجحيم. إذا ما تخلصتِ منهم ستكون أفضل بالتأكيد".. حسنا، كلامه صحيح بشكل ما، إلا أني لا أعلم لم لازلت أكرهها هي هي..بأهلها أو بدونهم.

 أحقا تتشرب الأرض أعمال أهلها فتكتسي بها؟ ألذلك أصبحت أرض وسماء القاهرة مشربة برائحة الدم المسفوح ظُلما. وبالقهر والفساد المستشري فيها منذ قرون؟ أم أنني فقط من تتخيل ذلك؟ ذكرياتي المؤلمة معها ومع شوارعها هي السبب؟ أم أنني أتخيل كل ذلك؟ أم أنني أحببت المدن والقرى الأخرى، كما يُحب البشر العلاقات السريعة التي يعلمون جيدًا أنها لن تدوم طويلا، وأنهم مُفارقوها قريبًا؟ كتلك العلاقات التي تبدأ بصورة رائعة اسطورية لمدة  قصيرة، فيُكمل الخيال تصور أنها ستكون رائعة  هكذا للأبد. لكن في الواقع، فهي كأي نوع من أنواع العلاقات، احتمالية الحسن والسوء فيها متساوية وواردة حتمًا.. نحن فقط عشنا البداية.. البداية فقط.

في ساحة مسجد إبن طولون - القاهرة، ديسمبر 2016
في ساحة مسجد إبن طولون - القاهرة، ديسمبر 2016
*****

المدن كالبشر.. لكلٍ شخصيته... 

القاهرة مثلًا أتخيلها كشخص أفنى عمره كله في محاولة الوصول إلى هدف أن يكون الأول في كل شيء.. الأعظم.. الأقوى.. منذ أن كانت "الفسطاط" ثم "القطائع" ثم...ثم القاهرة الخديوية... ثم... ثم مع كل محاولة تبدو الأمور مبشرة، ثم لا تلبث أن ينهار كل شيء. تمشي الأن في شوارعها فتجد آثار كل محاولة.. وجميعهم سويًا يمثلون ندوبًا.. أو لنقل وشومًا في جسد واحد .. تجعله للوهلة الأولى مُربكًا لايُمكنك فك تفاصيله المتشابكة المتداخلة...

النهاية - إن فرضنا أنها النهاية - كيان ذو تجارب عديدة وبلا روح، أو بمعنى أدق، بلا هوية.. بلا هدف.. بلا مبدأ... السعي وراء العظمة وفقط بلا اهتمام بالجوهر أو الروح. كل مرة كانت تُنبى فيها كان الهدف منها التفوق على مدينة أخرى ما. وكان التحسين والتجميل من الخارج فقط. جسد مليء بالوشوم الغير مترابطة وإن كان غير ترابطها هذا في حد ذاته مُعبر عن جوهر صاحبها.. ذلك البائس الذي نسي روحه ونفسه في سبيل سعيه المحموم وراء المجد الظاهري.

مسجد المؤيد شيخ وجزء من شارع الغورية من فوق مأذنة باب زويلة.
مسجد المؤيد شيخ وجزء من شارع الغورية من فوق مأذنة باب زويلة.
القاهرة، يناير 2014.
*****
الاسكندرية:
كما يُقال عنها دائمًا.. جميلة بهيية..وإن كان من الصعب عليها مقاومة أعراض الشيخوخة. شاخت.. كثيرًا.. لكن روحها وجسدها لازال به بعض الجمال الأصيل.. حتى مع فقدها الكثير من جمالها الظاهري.. أنيقة مع بعض العجز الظاهر. دائما ما أتخيلها كنجمات السنيما الفاتنات في فترة العشرينات وحتي الخمسينات من القرن الماضي. أولئك الفاتنات قديمًا عندما ترى صورة حديثة لهن بعد أن كبرن. وتحاول أنت - جاهدًا - إن تستشف أي مسحة من الجمال الذي اشتهرن بيه في ما مضى.

شاطئ المرسي أبو العباس - الأسكندرية، نوفمبر 2014.
شاطئ المرسي أبو العباس - الأسكندرية، نوفمبر 2014.
*****

سيناء:
مَهيبة.. ذات جمال ساحر لكن ليست بالينة السهلة.. عليك فهمها أولا والتعامل معها بحذر واحترام وتقدير شموخها.. لايمكن الاستهانة بها مهما كان .. ولا التعامل معها بسطحية.. إن فهمتها عن صدق ستترك لك حرية استكشاف أعماقها وممراتها الخفية.. ستكشف لك جمالها وأسرارها.. ما إن رأت فيك نباهةً وأنه يمكن الوثوق بك.

نهاية الأخاديد البيضاء، نوبيع، سيناء. ديسمبر 2014.
نهاية الأخاديد البيضاء، نوبيع، سيناء. ديسمبر 2014.
*****

أسوان:
النوبة تحديدًا، كما النظرة الحانية في عيون نسائها.. هينة لينة.. وديعة.. ذات أصل ومبدأ.. عزة نفس وعلو همة وقوة.. كل شئ تحت السيطرة فلا داعي للقلق ولنمرح الأن.. ولطول الليل.. ولنتحرك بتروي كما تتحرك مراكبها في النيل.. لا شئ يدعو للعجلة.. كما أن العشاء قد حان.. فلنستمتع بدفئ الطعام الأن.. ودفئ الصحبة.. واللمة حوله.. ثم ليكن الشاي أو الكركدية الساخن من بعده.. لا داعي للعجلة.. كل شئ تحت السيطرة.. وستمضي الأمور كما ينبغي لها ... لنجلس ولنتسامر الآن.. أتُجيد الضرب على الدف؟؟

من سطح مركب في نيل النوبة. أسوان، فبراير 2015.
من سطح مركب في نيل النوبة. أسوان، فبراير 2015.

*****

سيوة:
خشنة جافة كصحرائها.. كرجالها.. أيكون ذلك لأنها بلا أي لمسات أنثوية؟!
لكن طيب طعامها وصفاء سمائها كفيلية لتحمل خشونتها.. صحرائها أيضا ليست بكل ذلك الجفاف والجفاء.. آبارها وعيونها الطبيعية تفي ببعض الوصال أيضا..

في شارع ما بواحة سيوة. نوفمبر 2014.
في شارع ما بواحة سيوة. نوفمبر 2014.

*****

المدن كالبشر.. لكلٍ شخصيته... منها اللئيم.. ومنها الكريم.. منها من تمنحك حُبها بلا شرط، ومنها من تمتص منك الحياة بمجرد أن تطأها قدمك. لكن يبقى السؤال. أحقا كانت مجرد نشوة العلاقات العابرة السريعة؟ أم أن القاهرة حقا لعينة؟!

------
ملحوظة: كتبت تلك الخواطر في أوقات متفرقة في عام 2015. ولا أدري كيف نسيتها، حتى أتذكرها الآن فقط!

Saturday, December 31, 2016

بنسافر ليه (3): خوف - الجزء الثاني

كتبت هذه المدونة في وقت ما ما بين 2016-2017، ولسبب ما (لا أذكره حاليا) لم أنشرها. اليوم (5 فبراير 2021) قررت أن أنشرها كما هي بلا أي تعديل، رغم تغير بعض الأفكار والمشاعر، وبلا أي سبب محدد للنشر أو لعدم التعديل!

****

ملحوظة: بمكن قراءة الجزء الأول هنا.

ملحوظة (2): يمكن قراءة سلسلة مقالات "بنسافر ليه" هنا.
****

أسوان - فبراير 2015:

بعد كل ما ممرت به، اعتقدت أني صبحت أقوى، لم يعد هناك ما أخشاه، أو ما يُخيفني. لم أكن أعرف أني على وشك مواجهة الأسوء... الأسوء والأكثر قساوة على الإطلاق!

****

ما أن أوشكت المركب أن تتحرك لعرض النهر، مبتعدة عن جزيرة، متجهة إلى أخرى تمكن لنا السباحة بحرية كما كانت خطة الرحلة، حتى فوجئنا بصدمة عنيفة أطاحت بنا جميعا من أماكنا. كنت لحظتها جالسه على حافة المركب الجانبية، وإحدى ساقي متدليه في النهر. أختي كانت جالسة بنفس الطريقة على الجانب الأخر. أما الأختان أخريتان فكانا في مقدمة المركب وعلى الحافة تماما منها.

بطريقة ما (لا أعلمها حتى اللحظة)، عندما اصطدمت المركب بالصخور الغير مرئية أسفلها، "إتنطرت" إلى وسط المركب، وعيني على المقدمة، أحاول تبين الأختين وكلي يقين أنهما قد سقطا في النهر! ما أن رأيتهما ورأيت كل من سقط من على مقعده يقوم معتدلا، فإطمأنيت أن الجميع بخير والحمد لله..

حتى سمعنا، "أنا أقع"!

كانت هي الوحيدة التي إتنطرت لخارج المركب، ولحسن حظها، ولطف تدابير اللطيف، فقد تمكنت من التشبث بإحدى الأعمدة، مما ساعدها على التمسك بجسم المركب وعدم السقوط كليا في النهر. 

لحظة ما رأيتها  قلبي وقع في رجلي، وتلاشت كل الموجودات من حولي، تماما كما في الأفلام! قيل لي أن وجهي كان هادئا، لكن لم يدري أحدا أني كنت فاقدة القدرة على التفكير والإحساس وكل شئ! فكرة واحدة فقط سيطرت علي وشلتني عن الإتيان بأي حركة أو كلمة: كان من الممكن أن تغرق! كانت ستغرق حتما ولم يكن لأحد منا أن يدرك إختفائها. لم أكن لأدرك إختفائها! كانت ستسقط في النهر ولأنها لا تعرف السباحة أو أساسيات الطفو ستغرق قبل أن يدركها أحدنا!

كل ذلك كان يدور في ذهني، في حين أسرع إثنان لشدها ورفعها للمركب.

الأزمة هي أني أنا من ستعاني للمرة الرابعة أو الخامسة أو ربما أكثر من عذاب فقد شخص مقرب لي. الموت ما هو إلا إنتقال من عالم لاخر، لا مشكلة في ذلك. المشكلة فيّ أنا. أنا العالقة في هذا العالم، ما أكاد أتعافى من فقد أحدهم، حتى أتجرع عذابات الفقد من جديد، وبأكثر الطرق إيلاما.

أنانية؟! تعتقد أنها أنانية مني أن أفكر بهذه الطريقة؟!

حسنا.. قد لا يستوعب منطقي هذا إلا من ذاقوا ألم الفقد المُفجع. ومن لديه تصالح مع فكرة الموت. لكن هذا ليس موضع نقاش الآن.

المهم هنا هو أن ذلك الموقف وضعني في مواجهة مباشرة وصادمة مع أكثر أنواع الخوف رعبا: الخوف من ألم الفقد. أو الخوف من ألم غير محتمل سبق تجربته بصورة ما. أيا كان نوع الألم، أو ملابساته.

أدركت إني لست بتلك القوة التي بدأت أتخيلها عن نفسي. هناك شيء ما لا أقوى على احتماله، ومجرد ذكره يصيبني بالذعر. شعوري الطاغي بالعجز أما هذا النوع من الخوف جعلني أنهار باكية مختفية عن بقية المجموعة خلف بعض الشجيرات بمجرد وصولنا للجزيرة الثانية. من يعرفني جيدا يعلم أني لا أبكي في العلن أمام غرباء، الأمر أشبه بالتعري على الملاء. إلا أن بعض المواقف تفوق قدرتي على الصمود, هذا كان إحدها. ورغم أني حاولت ألا ألفت الأنظار بإختفائي، بالذات لأختي حتى لا تصاب بذعر أكثر، إلا أن البعض لاحظني. حتى هذه اللحظة ممتنة جدا لمواستهم، بالأخص حضن صديقتان عزيزتان. 

نوع آخر من الخوف، الخوف الذي لا دواء له. هو موجود بكيانه المرعب داخلنا. لا يمكن تجاهله. ومجرد ظهور شبحه يثير بنا أقصى أنواع الألم. 

أعتقد أن ذلك النوع لا حل للشفاء منه. فليس لنا إلا الدعاء بأن يباعد الله بيننا وبينه. وأن نجاهد سيطرته علينا فلا يتحكم بنا، وألا نكون عبيدا له، أو أن يكون نقطة ضعفنا التي يستغلها البعض ضدنا.

في 2011 على ما أذكر، كنت أتناقش مع صديقة في موضوع ما، فجاء في حديثها معي نهاية رواية 1984. وقتها لم أفهم المغزى وراء فكرة إن البطل تحمل كل أنواع التعذيب، لكنه إنهار عند نوع معين منه (الفئران على ما أذكر)، ولم يستطع مقاومته . بدت لي وقتها أنها فكرة سخيفة جدا. كيف لشخص تحمل كل ما مر به من ضغوط، لكنه إنهار تماما أمام خوفه من الفئران؟! أعتقد أني الأن أفهم.

الجانب الرائع أننا - أنا وأختي- لم ندع الصدمة من التمكن بنا في لحظتها. دقائق من وصولنا لتلك الجزيرة (وبعد أن إنتهيت من البكاء)، حتى كنا فوق سطح المركب، نشجع بعضنا على القفز في النهر. لا نعلم السباحة، وبالكاد نحاول استيعاب ما ممررنا به منذ دقائق، ولا نعلم مدى عمق المياه (أي نعم لم نقفز في منتصف النهر حيث العمق السحيق، مازلنا قرب الشاطئ)، لم نكن ننوي السباحة أصلا وبالتالي لم يكن معنا ملابس خاصة للسباحة، لكننا قفزنا بكامل ملابسنا.. وكانت واحدة من أمتع اللحظات في تلك الرحلة.

ملحوظة: أعتقد - والله أعلم - أننا لم نكن لنقفز لولا فرقة الإنقاذ المكونة من صديقان كانا في انتظارنا في الأسفل D: ... فالشكر موصول لهما. 

****


أفلامي المفضلة عن الخوف:

- اسماء (2011).
Batman Begins (2005) -
The Dark Knight Rises (2012) -
ParaNorman (2012) -
Monsters Inc. (2001) -
Finding Nemo (2003) -
Revolutionary Road (2008) -
The Mist (2007) -

Wednesday, March 25, 2015

أول (وثاني) مرة نوبة: إلى الذين سيعيدون للعالم بهاءه الذي خلقه الله عليه

لم يكن كل ما حُكي لي، وكل ما رأيته من صور وأفلام عنها إلا قدر يسير مما تحويه من جمال وبهاء أخاذ.. 
 
(*) أملأ صدري بالهواء، وأتمنى لو كان هذا يحبس الجمال في نفسي. لماذا نشعر بالعجز أمام ما يُبهجنا بهذه الصورة.

تبدو الكلمات صغيرة، باهتة أمام ما أشعر به. سأكرر مفردات تبدو حمقاء لأصف ما في نفسي. لن أتحدث، لن أصف شيئًا. لماذا أصف؟ لأُبقي ما أشعر به في نفسي الآن؟ لا أريد أن أُشغل عنه بأي شيءٍ.

أغلق عيني، وأدع الهواء يتسرب إلى داخلي. يملؤني، من قدمي إلى رأسي، رويدًا رويدًا، وأنا سعيدةٌ به.

يملؤني صوت الماء، ومرأى الناس يلعبون حوله بفرح واسع. أحسُ كأني خُلقت شيئًا جديدًا، طائرًا لا يبالي بشيءٍ، سوى القفز بين قمم الأشجار.
أين كانت روحي قبل أن أولد؟...

هنا، ولدت هذه العقيدة... هنا الأرواح تحل، وتتناسخ. هنا، ظن الناس أنهم في الجنة، فبحثوا عمَّا يبقيهم فيها بعد موتهم، فتخيلوا أن أرواحهم ستحل في آخرين بعد رحيلهم.
لا أعرف أين كانت روحي من قبل.

****

يتحرك المركب بنا بسرعة لا بالبطيئة المملة، ولا بالسريعة اللاهثه، متيحا لي فرصة تأمل تفاصيل كل ما نمر به من كتل صخرية بوسط النهر.. بيوت على ضفافه... زخارفها وألوانها.. المراكب الراسية.. 

النوبة - أسوان - مارس 2015

 أمدُّ يدي إلى الماء أملاء به كفِّي.
عذبٌ، باردٌ.
أغسل وجهي ثم أعود أملؤها لأشرب.
وكلما شربت ، أحسست السعادة تغمرني.
أخلع حذائي، وأدلي ساقي خارج حافة المركب، بالكاد تلامس قدمي الماء.

...وحولي...  ضحكات، يرويها ماء النهر  فتزهر في الوجوه.
وأنا..
روحٌ خفيفةٌ سمت فوق كل شيءٍ.

أغمض عيني، وأترك خرير الماء يرتب نفسي.
 
... في حضرة الجمال، يبدو العالم نقيًّا كما خلقه الله، لا زيف فيه ولا خطيئة.
 
وقتها تذكرت تلك السطور التي قرأتها منذ أكثر من عام:
" أرسلت إلينا رسلك..
كل من كشفت لنا بهم جمال خلقك هم رسلك..
بداخلهم سكن العالم..
يسمعون همسه إليهم في كل حين..
قلقون حين لا يدركون ما هم فيه..
تنازعهم نفوسهم إلى السمو..
غرباء أغيار عمن حولهم..
حتى إذا طاف بهم النداء: "قم إلى الدنيا فاكشف أسرارها.."
ولم يعلموا أي سر سيكشفون، قالوا:" من نحن حتى نكشف أسرار العالم؟.. لسنا سوى طلاب معرفة دميت أظفارهم بحثا عنها؟!"..
"قم إلى الدنيا.. واكشف للناس جمالها"!! ..
قلق من سمع النداء، وأحس العجز.
ولا عون على ذلك لمن لم تعنه.
"
أشعر أنه ما من دعاءٍ يُرَدُّ هنا.
يارب؛
اجعلني رسول الجمال للعالم. اكشف لي أسراره، واجعله طريقي إليك.

... كنتُسعيدةً كطفلة صغيرة. لاتدرك من الزمن إلا لحظتها الراهنه، فسعادتها سعادةٌ ممتدةٌ؛ لا شيءَ قبلها ولا شيء بعدها.

أحببت النوبة كما لم أحب بلد من قبل.. بكل تفاصيل الزيارتين(**) اللتان قضيتهما هناك: الأمكان التي زرتها، من قابلتهم من أناس، وما ممرت به من أحداث، وما أدركته من قرارات و تغيرات أثناء خلوتي بنفسي.

الذي قال: "خذ من كل بلد حبيبا"، هل كان يُقدِّر الألم في عبارته هذه؟ وأيُّ إنسانٍ ذلك الذي يتحمل أن يتوزع قلبه في البلاد، وهو مقيِّد في مكانٍ واحدٍٍ؟!

جزيرة سهيل - النوبة - أسوان - مارس 2015

المزيد من الصور هنا: https://flic.kr/s/aHsk8EtxZi

-----
(*) كل ما هو مكتوب باللون البرتقالي، بالإضافة إلى العنوان، هو اقتباسات من رواية "الرئيس" لـ "محمد العدوي". صادرة عن تنوير للنشر والإعلام.

(**) الزيارة الأولى كانت في فبراير 2015. الثانية كانت في مارس 2015. الزيارتان استمرتا أربعة أيام.

Thursday, February 26, 2015

بنسافر ليه (*): الله

دهب، جنوب سيناء - ديسمبر 2014:

أتعلم ما المدهش في الغطس؟

في لحظة ما أنت فوق سطح الماء، ترى البشر على الشاطئ بمختلف أجناسهم و مللهم، تراقبهم من بعيد محاولا تخيل كل ما تحمله عقولهم من أفكار ومعتقدات وهموم، وكل ما في قلوبهم من مشاعر وذكريات.. بشر قل عددهم أو كثر، كل مشغول بما يهتم به. ما بين عمال المقاهي المطلة على الشاطئ بحركتهم المحمومة خدمةً لزبائنهم، أو مدربي غطس منهمكون في تجهيزات معداتهم، أو سياح يستمتعون يوقتهم بما يقتضيه مزاجهم..

في اللحظة التالية تماما، أنت تحت سطح الماء، محاط بالأزرق من كل الجوانب. أزرق ليس كمثله أزرق. بكل درجاته و تدريجاته. بدأً بدرجة إنعكاس لون السماء على سطح الماء، وصولًا للأسود في الأعماق السحيقة. مُهيب، لكنه يبرز ألوان الأسماك والشعب المرجانية ببراعة تخطف الأنفاس. من الظلم تسمية "عالم ما تحت الماء". إنها "عوالم". لكل فصيل من الأسماك عالمه، ولكل شُعب مرجاني عالمه. 

هنا - ومن بين كل ما قد يدركه عقلك وقلبك - تدرك معنى: المُصور. المُبدع. البارئ. الرّزّاق. الوليّ. المُحصي. الغَنيّ. البديع.

****

بحر الرمال، واحة سيوة - نوفمبر 2014:

أتعلم لما قد يدفع البعض مئات الجنيهات مقابل التخيم ليلة واحدة في الصحراء؟

حسنا، ليس هناك سبب واحد، إنما أسباب متعددة. سأذكر لك منها واحد فقط. النجوم! أن تحاط تماما بكل ذلك العدد اللانهائي من النجوم والشهب والأفلاك. أن ترى المَجرّة بأكملها بعينك المجردة. أنجمٌ لانهائية من فوقك، وصحراءٌ لانهائية من تحتك، وإنت محاصر بينهما! 

هنا ترى الوسع. الكبير. العظيم. مَالك المُلك. المَلك. الباسط. المُهيمن. القادر.
****

جبل موسى، جنوب سيناء - ديسمبر 2014:

أتعلم ما المُبهر في الجبال؟ 

الجبال بذاتها! شئٌ ما أعظم من الشموخ المُجرد المُجسد في كل صخرة مهما كبُرت أو صغُرت. التعريجات الصخرية المُكونة للقمم، لا تعلم على وجه الدقة إلما إنجذابها، الأرض؟ أم السماء؟ مُهيبة. لايمكن الإستهانه بها.

هنا تُحاط بالجبار. القهار. المُتكبر. العليّ. القوي. القادر. المتين. المُقتدر. المُتعال. العظيم.


****

جزيرة النباتات، أسوان - فبراير 2015:

 أتعلم مدى إندهاش عقل دائم التفكير في مفارقات الماضي والحاضر؟

هل كانا يعلمان أن ذلك الجنين برحمها - إبنتهما البكر- ستقف في نفس المكان بعد 27 عام من تاريخ إلتقاطهما لهذه الصورة؟ هل خطر ببالهما ما قد يدور في عقلها وهي تتأمل صورتهما؟ هل حاولا التخمين؟ لأي مدى كان من الممكن أن يقارب تخمينهما الواقع؟ هل خطر ببالهما أيا مما مرا به سويا خلال الـ25 العام اللاحقة لتاريخ الصورة؟ هل كانا مدركين لمدى تأثير كل قرار إتخذوه، وكل كلمة آمنوا بها، وكل فكرة إعتنقوها على جنينهما الأول هذا منذ تلك اللحظة، حتى يأتي الآن ليقف في نفس المكان بكل ما برأسه وقلبه من إزدحام؟ هل...؟ هل...؟ هل...؟

قد تجد بعض الإجابات. والبعض هذا كافي لتدرك وتعي به أنه هو مُدبر الأمر. الوكيل. الخبير. اللطيف. العليم. البصير. الوليّ. الهادي.


****

تلك الدقائق التي تبقي فيها رأسك تحت الماء، أو متأملا للنجوم أو للجبال، تجعلك تدرك الكم الهائل الغير نهائي من العوالم و الحيوات التي تعيش معنا على نفس الكوكب، وأن عالمك - بكل ما به من تفاصيل - هو عالم متناهي الصغر. ولأن مشاكلك ومعاناتك جزء أكثر صغرا من عالمك الصغير هذا..

****

كنت أتعجب ممن يقول: "أريد السفر لأعرف الله".. وقتها كنت - ومازلت - مؤمنة أن الله يُعرف في أي مكان وأي زمان. بنفس درجة تعجبي في كل مرة أسمع أحدهم يردد الحديث النبوي: "لله تسعة وتسعون اسما، من أحصلها دخل الجنة"، ثم يتباهى بطريقة إلقائه لاسمائه سبحانه بترتيب مراعي للقافية. الله لا يعاملنا بالعد ولا بالكم! إنما هو الإدراك والوعي والإيمان!

إلى أن أدركت -خلال سفري - أن لله أوجه عدة يُرى بها. وأن إحصائها يتطلب جهد وتدبر وتفكر وسعي في مناكبها أكثر من مجرد سردهم بترتيب ذو لحن موسيقي.

****

****

(*) من وحي أول مشاركة لي مع ولـ  +Terhal ترحال :