Showing posts with label Why Do We Travel - بنسافر ليه. Show all posts
Showing posts with label Why Do We Travel - بنسافر ليه. Show all posts

Wednesday, January 1, 2020

Places’ Tales (Visual Diaries) - (حكايات الأماكن (مذكرات بصرية


فيلم توثيقي لمذكرات شخصية في خلال الفترة من ٢٠١٣ لـ٢٠١٩

هو تجميعة لمشاهد ولحظات أثرت فيا بشكل أو بآخر. ولمواقف جمعتني مع أصدقاء مقربين أو ناس بشوفهم لأول ويمكن لأخر مرة، أثرت في علاقتنا وعلاقتي بنفسي وإزاي بشوف الدنيا من حوليا.


.This is a personal visual diary, through 2013-2019
It could be considered as an assembly of scenes and moments touched me in a way or another. Incidents with close friends, or people meeting them for the first, and maybe the last, time that affected our relationship, and or my way receiving the world

:Music
Trevor DeMaere
Kevin MacLeod
Andy Leech
4lienetic
Scott Buckley

Wednesday, February 8, 2017

عن المدن

والمدن كالبشر.. منها اللئيم.. ومنها الكريم.. منها من تمنحك حُبها بلا شرط، ومنها من تمتص منك الحياة بمجرد أن تطأها قدمك.. قال لي صديق ذات مرة: " القاهرة جميلة كمكان. أهلها هم من يحولونها لجحيم. إذا ما تخلصتِ منهم ستكون أفضل بالتأكيد".. حسنا، كلامه صحيح بشكل ما، إلا أني لا أعلم لم لازلت أكرهها هي هي..بأهلها أو بدونهم.

 أحقا تتشرب الأرض أعمال أهلها فتكتسي بها؟ ألذلك أصبحت أرض وسماء القاهرة مشربة برائحة الدم المسفوح ظُلما. وبالقهر والفساد المستشري فيها منذ قرون؟ أم أنني فقط من تتخيل ذلك؟ ذكرياتي المؤلمة معها ومع شوارعها هي السبب؟ أم أنني أتخيل كل ذلك؟ أم أنني أحببت المدن والقرى الأخرى، كما يُحب البشر العلاقات السريعة التي يعلمون جيدًا أنها لن تدوم طويلا، وأنهم مُفارقوها قريبًا؟ كتلك العلاقات التي تبدأ بصورة رائعة اسطورية لمدة  قصيرة، فيُكمل الخيال تصور أنها ستكون رائعة  هكذا للأبد. لكن في الواقع، فهي كأي نوع من أنواع العلاقات، احتمالية الحسن والسوء فيها متساوية وواردة حتمًا.. نحن فقط عشنا البداية.. البداية فقط.

في ساحة مسجد إبن طولون - القاهرة، ديسمبر 2016
في ساحة مسجد إبن طولون - القاهرة، ديسمبر 2016
*****

المدن كالبشر.. لكلٍ شخصيته... 

القاهرة مثلًا أتخيلها كشخص أفنى عمره كله في محاولة الوصول إلى هدف أن يكون الأول في كل شيء.. الأعظم.. الأقوى.. منذ أن كانت "الفسطاط" ثم "القطائع" ثم...ثم القاهرة الخديوية... ثم... ثم مع كل محاولة تبدو الأمور مبشرة، ثم لا تلبث أن ينهار كل شيء. تمشي الأن في شوارعها فتجد آثار كل محاولة.. وجميعهم سويًا يمثلون ندوبًا.. أو لنقل وشومًا في جسد واحد .. تجعله للوهلة الأولى مُربكًا لايُمكنك فك تفاصيله المتشابكة المتداخلة...

النهاية - إن فرضنا أنها النهاية - كيان ذو تجارب عديدة وبلا روح، أو بمعنى أدق، بلا هوية.. بلا هدف.. بلا مبدأ... السعي وراء العظمة وفقط بلا اهتمام بالجوهر أو الروح. كل مرة كانت تُنبى فيها كان الهدف منها التفوق على مدينة أخرى ما. وكان التحسين والتجميل من الخارج فقط. جسد مليء بالوشوم الغير مترابطة وإن كان غير ترابطها هذا في حد ذاته مُعبر عن جوهر صاحبها.. ذلك البائس الذي نسي روحه ونفسه في سبيل سعيه المحموم وراء المجد الظاهري.

مسجد المؤيد شيخ وجزء من شارع الغورية من فوق مأذنة باب زويلة.
مسجد المؤيد شيخ وجزء من شارع الغورية من فوق مأذنة باب زويلة.
القاهرة، يناير 2014.
*****
الاسكندرية:
كما يُقال عنها دائمًا.. جميلة بهيية..وإن كان من الصعب عليها مقاومة أعراض الشيخوخة. شاخت.. كثيرًا.. لكن روحها وجسدها لازال به بعض الجمال الأصيل.. حتى مع فقدها الكثير من جمالها الظاهري.. أنيقة مع بعض العجز الظاهر. دائما ما أتخيلها كنجمات السنيما الفاتنات في فترة العشرينات وحتي الخمسينات من القرن الماضي. أولئك الفاتنات قديمًا عندما ترى صورة حديثة لهن بعد أن كبرن. وتحاول أنت - جاهدًا - إن تستشف أي مسحة من الجمال الذي اشتهرن بيه في ما مضى.

شاطئ المرسي أبو العباس - الأسكندرية، نوفمبر 2014.
شاطئ المرسي أبو العباس - الأسكندرية، نوفمبر 2014.
*****

سيناء:
مَهيبة.. ذات جمال ساحر لكن ليست بالينة السهلة.. عليك فهمها أولا والتعامل معها بحذر واحترام وتقدير شموخها.. لايمكن الاستهانة بها مهما كان .. ولا التعامل معها بسطحية.. إن فهمتها عن صدق ستترك لك حرية استكشاف أعماقها وممراتها الخفية.. ستكشف لك جمالها وأسرارها.. ما إن رأت فيك نباهةً وأنه يمكن الوثوق بك.

نهاية الأخاديد البيضاء، نوبيع، سيناء. ديسمبر 2014.
نهاية الأخاديد البيضاء، نوبيع، سيناء. ديسمبر 2014.
*****

أسوان:
النوبة تحديدًا، كما النظرة الحانية في عيون نسائها.. هينة لينة.. وديعة.. ذات أصل ومبدأ.. عزة نفس وعلو همة وقوة.. كل شئ تحت السيطرة فلا داعي للقلق ولنمرح الأن.. ولطول الليل.. ولنتحرك بتروي كما تتحرك مراكبها في النيل.. لا شئ يدعو للعجلة.. كما أن العشاء قد حان.. فلنستمتع بدفئ الطعام الأن.. ودفئ الصحبة.. واللمة حوله.. ثم ليكن الشاي أو الكركدية الساخن من بعده.. لا داعي للعجلة.. كل شئ تحت السيطرة.. وستمضي الأمور كما ينبغي لها ... لنجلس ولنتسامر الآن.. أتُجيد الضرب على الدف؟؟

من سطح مركب في نيل النوبة. أسوان، فبراير 2015.
من سطح مركب في نيل النوبة. أسوان، فبراير 2015.

*****

سيوة:
خشنة جافة كصحرائها.. كرجالها.. أيكون ذلك لأنها بلا أي لمسات أنثوية؟!
لكن طيب طعامها وصفاء سمائها كفيلية لتحمل خشونتها.. صحرائها أيضا ليست بكل ذلك الجفاف والجفاء.. آبارها وعيونها الطبيعية تفي ببعض الوصال أيضا..

في شارع ما بواحة سيوة. نوفمبر 2014.
في شارع ما بواحة سيوة. نوفمبر 2014.

*****

المدن كالبشر.. لكلٍ شخصيته... منها اللئيم.. ومنها الكريم.. منها من تمنحك حُبها بلا شرط، ومنها من تمتص منك الحياة بمجرد أن تطأها قدمك. لكن يبقى السؤال. أحقا كانت مجرد نشوة العلاقات العابرة السريعة؟ أم أن القاهرة حقا لعينة؟!

------
ملحوظة: كتبت تلك الخواطر في أوقات متفرقة في عام 2015. ولا أدري كيف نسيتها، حتى أتذكرها الآن فقط!

Saturday, December 31, 2016

بنسافر ليه (3): خوف - الجزء الثاني

كتبت هذه المدونة في وقت ما ما بين 2016-2017، ولسبب ما (لا أذكره حاليا) لم أنشرها. اليوم (5 فبراير 2021) قررت أن أنشرها كما هي بلا أي تعديل، رغم تغير بعض الأفكار والمشاعر، وبلا أي سبب محدد للنشر أو لعدم التعديل!

****

ملحوظة: بمكن قراءة الجزء الأول هنا.

ملحوظة (2): يمكن قراءة سلسلة مقالات "بنسافر ليه" هنا.
****

أسوان - فبراير 2015:

بعد كل ما ممرت به، اعتقدت أني صبحت أقوى، لم يعد هناك ما أخشاه، أو ما يُخيفني. لم أكن أعرف أني على وشك مواجهة الأسوء... الأسوء والأكثر قساوة على الإطلاق!

****

ما أن أوشكت المركب أن تتحرك لعرض النهر، مبتعدة عن جزيرة، متجهة إلى أخرى تمكن لنا السباحة بحرية كما كانت خطة الرحلة، حتى فوجئنا بصدمة عنيفة أطاحت بنا جميعا من أماكنا. كنت لحظتها جالسه على حافة المركب الجانبية، وإحدى ساقي متدليه في النهر. أختي كانت جالسة بنفس الطريقة على الجانب الأخر. أما الأختان أخريتان فكانا في مقدمة المركب وعلى الحافة تماما منها.

بطريقة ما (لا أعلمها حتى اللحظة)، عندما اصطدمت المركب بالصخور الغير مرئية أسفلها، "إتنطرت" إلى وسط المركب، وعيني على المقدمة، أحاول تبين الأختين وكلي يقين أنهما قد سقطا في النهر! ما أن رأيتهما ورأيت كل من سقط من على مقعده يقوم معتدلا، فإطمأنيت أن الجميع بخير والحمد لله..

حتى سمعنا، "أنا أقع"!

كانت هي الوحيدة التي إتنطرت لخارج المركب، ولحسن حظها، ولطف تدابير اللطيف، فقد تمكنت من التشبث بإحدى الأعمدة، مما ساعدها على التمسك بجسم المركب وعدم السقوط كليا في النهر. 

لحظة ما رأيتها  قلبي وقع في رجلي، وتلاشت كل الموجودات من حولي، تماما كما في الأفلام! قيل لي أن وجهي كان هادئا، لكن لم يدري أحدا أني كنت فاقدة القدرة على التفكير والإحساس وكل شئ! فكرة واحدة فقط سيطرت علي وشلتني عن الإتيان بأي حركة أو كلمة: كان من الممكن أن تغرق! كانت ستغرق حتما ولم يكن لأحد منا أن يدرك إختفائها. لم أكن لأدرك إختفائها! كانت ستسقط في النهر ولأنها لا تعرف السباحة أو أساسيات الطفو ستغرق قبل أن يدركها أحدنا!

كل ذلك كان يدور في ذهني، في حين أسرع إثنان لشدها ورفعها للمركب.

الأزمة هي أني أنا من ستعاني للمرة الرابعة أو الخامسة أو ربما أكثر من عذاب فقد شخص مقرب لي. الموت ما هو إلا إنتقال من عالم لاخر، لا مشكلة في ذلك. المشكلة فيّ أنا. أنا العالقة في هذا العالم، ما أكاد أتعافى من فقد أحدهم، حتى أتجرع عذابات الفقد من جديد، وبأكثر الطرق إيلاما.

أنانية؟! تعتقد أنها أنانية مني أن أفكر بهذه الطريقة؟!

حسنا.. قد لا يستوعب منطقي هذا إلا من ذاقوا ألم الفقد المُفجع. ومن لديه تصالح مع فكرة الموت. لكن هذا ليس موضع نقاش الآن.

المهم هنا هو أن ذلك الموقف وضعني في مواجهة مباشرة وصادمة مع أكثر أنواع الخوف رعبا: الخوف من ألم الفقد. أو الخوف من ألم غير محتمل سبق تجربته بصورة ما. أيا كان نوع الألم، أو ملابساته.

أدركت إني لست بتلك القوة التي بدأت أتخيلها عن نفسي. هناك شيء ما لا أقوى على احتماله، ومجرد ذكره يصيبني بالذعر. شعوري الطاغي بالعجز أما هذا النوع من الخوف جعلني أنهار باكية مختفية عن بقية المجموعة خلف بعض الشجيرات بمجرد وصولنا للجزيرة الثانية. من يعرفني جيدا يعلم أني لا أبكي في العلن أمام غرباء، الأمر أشبه بالتعري على الملاء. إلا أن بعض المواقف تفوق قدرتي على الصمود, هذا كان إحدها. ورغم أني حاولت ألا ألفت الأنظار بإختفائي، بالذات لأختي حتى لا تصاب بذعر أكثر، إلا أن البعض لاحظني. حتى هذه اللحظة ممتنة جدا لمواستهم، بالأخص حضن صديقتان عزيزتان. 

نوع آخر من الخوف، الخوف الذي لا دواء له. هو موجود بكيانه المرعب داخلنا. لا يمكن تجاهله. ومجرد ظهور شبحه يثير بنا أقصى أنواع الألم. 

أعتقد أن ذلك النوع لا حل للشفاء منه. فليس لنا إلا الدعاء بأن يباعد الله بيننا وبينه. وأن نجاهد سيطرته علينا فلا يتحكم بنا، وألا نكون عبيدا له، أو أن يكون نقطة ضعفنا التي يستغلها البعض ضدنا.

في 2011 على ما أذكر، كنت أتناقش مع صديقة في موضوع ما، فجاء في حديثها معي نهاية رواية 1984. وقتها لم أفهم المغزى وراء فكرة إن البطل تحمل كل أنواع التعذيب، لكنه إنهار عند نوع معين منه (الفئران على ما أذكر)، ولم يستطع مقاومته . بدت لي وقتها أنها فكرة سخيفة جدا. كيف لشخص تحمل كل ما مر به من ضغوط، لكنه إنهار تماما أمام خوفه من الفئران؟! أعتقد أني الأن أفهم.

الجانب الرائع أننا - أنا وأختي- لم ندع الصدمة من التمكن بنا في لحظتها. دقائق من وصولنا لتلك الجزيرة (وبعد أن إنتهيت من البكاء)، حتى كنا فوق سطح المركب، نشجع بعضنا على القفز في النهر. لا نعلم السباحة، وبالكاد نحاول استيعاب ما ممررنا به منذ دقائق، ولا نعلم مدى عمق المياه (أي نعم لم نقفز في منتصف النهر حيث العمق السحيق، مازلنا قرب الشاطئ)، لم نكن ننوي السباحة أصلا وبالتالي لم يكن معنا ملابس خاصة للسباحة، لكننا قفزنا بكامل ملابسنا.. وكانت واحدة من أمتع اللحظات في تلك الرحلة.

ملحوظة: أعتقد - والله أعلم - أننا لم نكن لنقفز لولا فرقة الإنقاذ المكونة من صديقان كانا في انتظارنا في الأسفل D: ... فالشكر موصول لهما. 

****


أفلامي المفضلة عن الخوف:

- اسماء (2011).
Batman Begins (2005) -
The Dark Knight Rises (2012) -
ParaNorman (2012) -
Monsters Inc. (2001) -
Finding Nemo (2003) -
Revolutionary Road (2008) -
The Mist (2007) -

Saturday, June 13, 2015

بنسافر ليه (2): خوف - الجزء الأول

- كنت بتخاف من إيه وإنت صغير؟
- إشمعنى؟!
- كل واحد فينا كان بيخاف من حاجة وهو صغير.. كنت بتخاف من إيه؟
****

أن تكون حُرًا.. أن تكون أفعالك من إرادتك الحُرة، لا من خوفك.

****

أشباحي تأكلني بإبتسامات ٍ مشرقة رويدا رويدا.
Artwork by Away to noway

من بين كُل مالم أكن أتخيل أني سأواجهه في سفري، كان لـ "خَوفي" القدر الأكبر والأهم. كل رحلة، كنت أُواجهه بصورة أو بأخرى.. عن عمد أو لا..

****

القاهرة - فبراير 2013:

اللحظة التي ترى فيها مرضك متجسد أمامك.. اللحظة التي تدرك فيها مدى إغراقك في المعاناة..



قامته القصيرة التي تشي بسنوات عمره القليلة.. والكلاب حوله. كل كلب حجمه يفوق حجمه هو.. مع ذلك ظل يدفعهم بيديه وهم مستسلمون له.. لايؤذونه.. ولايتجاوبون معه.. كانت أعينهم تقول له: دعنا ننام هنا قليلا.. وهو مُصر ألا نوم الأن!

ما أن وقعت عيناني عليه حتى إنتابني الذعر.. كل الأفكار المرعبة اللتي يمكن التفكير بها اجتاحتني فجأة: "سيؤذونه.. حتما سيؤذونه.. إنهم مُرعِبون.. كيف لأهله تركه هكذا معهم بلا رقابة.. إن لم يعضه أحدهم.. فحتما سينقلون له دستة أمراض مستعصية.. إن لم تقتله العضة.. سيقتله المرض.. وإن لم يقتله المرض، سيقتله إهمال الأطباء بالمستشفى.. هذا إذا لم يمت في الطريق إليها.. هذا أمر محتم.."

هنا إنتبهت لأفكاري.. لذعري.. وأنه ليس مرتعبا مثلي! الأمر بالنسبة له لهوٌ مرح.. لم يكن بكل ذلك الرعب الذي شعرت به أنا... وكأنه يقول لي: ربما ما تخافينه ليس بكل ذلك الهول الذي تتوهمينه. وأن باطن الأمور ليس بسوء ظاهرها. عليك الفهم قليلا، والمواجهة.. فقط!  

****

حَمَّام فِرعون - جنوب سيناء - مايو 2014:

هنا كان اللقاء الأول للإدرك والفهم، والتخلص الجزئي من العبء.

لم يكن الأمر يتطلب أكثر من تلك السويعات التي قضيتها وحدي على الشاطئ بعيدا عن باقي المجموعة لأدرك أن كثيرًا مما أخافه لم يكن إلا محض سراب! كلما حاولت الإمساك بأي من تلك الأفكار التي أرقتني شهورا لأفكر فيها مليا، أجدها تنساب مني كما تنساب حبيبات الصخر الصغيرة حول قدماي مع كل موجة.

ولكأن الأمر لم يكن يتطلب أكثر من الخروج ليوم واحد من أسمنتية القاهرة، وأفق أهلها الرمادي الخانق، لأدرك أن بعض الخوف وَهم. وَهم يُبنى حولنا - بإدراكنا أو لا - لنجد أنفسنا محاصرين بسورٍ لزج، هش، من لا شئ!

الخوف المُعدي، خوفٌ كاذب، ناتج عن مُعاشرة الخَائِفين. من تربوا على الخوف، وألفوه. الخوف من الناس، من كلامهم، من تفويت القطار، من الخروج عن قضبانه المرسومه مُسبقا، من إنهداد الحائط الذي يمشون بجانبه، الخوف لأننا يجب أن نخاف.. مما؟؟ لايهم! لما؟! لايهم أيضا!..

ليس كل الخوف حقيقي.. فبعضه يُتخلص منه بمجرد تغير البيئة والمجتمع المحيط.

السؤال إذا، ما الحقيقي؟ وما الوهمي؟ الأمر يعتمد على حُكمك الشخصي. عليك أن تُفرق أنت بينهما بنفسك. أن تسمع نفسك جيدا، وأن تختبر أفكارك بنفسك.

****

الواحات البحرية - أكتوبر 2014:

لا أذكر آخر مرة نِمتُ فيها بكل ذلك السلام والعمق.. عامان ونصف أو أكثر بلا نوم هانئ كتلك الليلة التي بت فيها في الصحراء لأول مرة. حتى عندما استيقظت في الثانية فجرا، وإذا بي محاطة بالسكون والصمت. لم أخف! لم أشعر بأمانٍ كما شعرت به في تلك الليلة.

الحياة بلا أمان لاتطلق. الخوف الدائم من المجهول إحساس قاتل للحياة، لايمكن التعايش معه. أصبحت أتفهم الآن سعي الناس المحموم وراء ما يعتقدونه كفيل بدفع ذلك الشعور من حياتهم. المال، العقارات، العائلة، الأصدقاء، الوظيفة الثابتة، الزواج، الإنجاب، إلخ.. لم أعد أسخر من محاولتهم. أصبحت أتفهمه.

أتفهمه، لكن لا أتعاطف معه. لأني ليست بمؤمنة بهذه الإختيارات، أو بمعنى أدق: أولاً، لايمكن أن تبني حياتك على الخوف! إتخاذ قرارات - مهما صَغُرت أو كَبُرت - على أساس الخوف فقط، هو شئ مرعب في حد ذاته! ثانيًا، ماذا إذا لم أجد فيما هو مصنف عند المجتمع (أو البشرية كلها) كمصدر للأمان ما يُشعرني بأمان حقيقي؟. خاصةً أني في فترة ما كنت أملك معظم هذه "المصادر" لكني لم أشعر به كما في تلك الليلة. هذه واحده من الحالات التي أعنيها.

لاأعتقد أني أتجه لنظريات التصوف والزهد المادي المُتطرف، لكني لم أجد إجابة كاملة تطمئن لها نفسي بعد. قد أكون وجدت جزء منها، إلا أني مازلت أبحث.

****

سيوة - نوفمبر 2014:

كانت تبكي وتشكي وحدتها، وأنا أضمها إليّ أكثر، لعلي أُخفف عنها ولو قليلا.. أعلم أني لا أملك لها من الأمر شئ. هو قرارها. وهو ليس بالهين. ولأنه كذلك كانت تفتقد أهلها بشدة. كانت تفتقد السند، من يخبرها أنه معها الآن، ومعها إذا ما ساءت الأمور في المستقبل.

حاولت أن أخفف عنها، وجاهدت أن يخرجي صوتي هادئا مُطمئِنًا عندما تملكتني تلك الفكرة المرعبة: الوحدة! هناك جانب آخر لها لم أدركه من قبل. سيكون عليّ في مرحلة ما من الحياة أن أواجه قرارا ما وحدي تماما. مهما كان حولي من داعمين. سأكون وحدي من تقرر. من تمشي الطريق وحدها. سيقف الجميع وراء خط فاصل يلوحون بأيدهم مشجعين أو ناصحين أو مستهزئين.. لايهم.. لأني وحدي من ستتحمل كل العواقب والتبعات.. حَسُنة أو سَاءت..

أبي كان دائما يقول لي: "دوري أن أساعدك على معرفة الحقائق اللازمة لإختيارك. القرار لك وحدك في نهاية الأمر.. أنت وحدك من ستتحملين النتائج. لذلك يجب أن يكون القرار من اقتناعك التام. ومهما حدث بعد ذلك فهو مسؤليتك.. وحدك". كنت دائما أتعامل بما رباني عليه كجانب من "حريتي" و "مسؤليتي". حريتي في الإختيار والقرار. ومسؤليتي تحمل النتائج خيرها وشرها. أما هنا فأدركت بُعدا آخر..

أنت تقف على عتبة عدة أبواب مغلقة. البعض سينصح بأخذ هذا الباب، وآخرون سينصحون بآخذ ذلك الباب، وآخرون سينصحون بباب ثالث.. البعض سيجتهد أن يكون منصفا أو حياديا أو موضوعيا.. والبعض سيميل لما يمليه عليه قلبه أو ما تربى عليه من قيم أو عادات أو أيا يكن.. أنت استمعت جيدا لكل منهم.. إتخذت قرارك.. وستمضي ناحية الباب الذي اخترته.. وحدك!! لن يشارك السير أحدا.. حتى إن كان هذا الطريق قائم على المشاركة مع شخص آخر (كسفر، أو زواج، أو شراكة عمل، أو..).. أنت وحدك تتحمل ما قد تلاقيه في هذا الطريق وحدك.. النُصح لن يكلف النَاصح شيئا باهظا.. أما المنصوح، فهو من سيتحمل كل شئ.

الخوف من تبعات القرارات المصيرية أو المهمة قد يكون جزء منه نابع من شعورنا بأننا نواجهها وحدنا. لكن سأخبرك بأمريين أحدها جيد والآخر سيء. الأمر السيء أنك ستكون وحدك دائما. حتى يوم الحساب ستكون وحدك. لذا تقبل الأمر وتعايش معه. الأمر الجيد أن هناك وسائل قد تساعد في تقليل حدة تلك الوحدة. منها -وأهمها على الإطلاق- أن تهتم بقلبك وعقلك، وترعاهما بكل ما يُتاح لك من طرق، لأنهما من سيرافقانك حتى نهاية الرحلة.  كذلك عليك أن تهتم برفقتك وصُحبتك، من يخلصون لك النصيحة، وذوي القلوب والعقول "النظيفة".

****

خلاصة الجزء الأول:

الخوف أنواع، وقد يكون السفر فرصة لمواجهة وإدراك بعض أنواعه. بعض الخوف وهم مُكتسب من معاشرة الخائفين، لذا عليك الابتعاد عنهم ولو معنويا. وبعضه ناتج من المجهول، لذا عليك أن تحدد ما الذي تخافه تحديد في المجهول وتحاول حله بطريقة أو بأخرى. أما بعضه الآخر ناتج عن الوحدة في مواجهة ذلك المجهول، وهو أمر مُحتم، لذا عليك بقلبك وعقلك لأنهما رفيقاك في وحدتك هذه، كما عليك بحسن اختيار صُحبتك والتمسك بالمخلصين منهم.

****
- طيب ونفسك في إيه يا اسماء؟
- نفسي في إيه؟! نفسي مبقاش خايفه.. يعني أصلي بخاف من حاجات كتير..  لو بطلت أخاف.. جايز ساعتها أني أحس إن أنا.. عايشة...
****
يتبع...

Thursday, February 26, 2015

بنسافر ليه (*): الله

دهب، جنوب سيناء - ديسمبر 2014:

أتعلم ما المدهش في الغطس؟

في لحظة ما أنت فوق سطح الماء، ترى البشر على الشاطئ بمختلف أجناسهم و مللهم، تراقبهم من بعيد محاولا تخيل كل ما تحمله عقولهم من أفكار ومعتقدات وهموم، وكل ما في قلوبهم من مشاعر وذكريات.. بشر قل عددهم أو كثر، كل مشغول بما يهتم به. ما بين عمال المقاهي المطلة على الشاطئ بحركتهم المحمومة خدمةً لزبائنهم، أو مدربي غطس منهمكون في تجهيزات معداتهم، أو سياح يستمتعون يوقتهم بما يقتضيه مزاجهم..

في اللحظة التالية تماما، أنت تحت سطح الماء، محاط بالأزرق من كل الجوانب. أزرق ليس كمثله أزرق. بكل درجاته و تدريجاته. بدأً بدرجة إنعكاس لون السماء على سطح الماء، وصولًا للأسود في الأعماق السحيقة. مُهيب، لكنه يبرز ألوان الأسماك والشعب المرجانية ببراعة تخطف الأنفاس. من الظلم تسمية "عالم ما تحت الماء". إنها "عوالم". لكل فصيل من الأسماك عالمه، ولكل شُعب مرجاني عالمه. 

هنا - ومن بين كل ما قد يدركه عقلك وقلبك - تدرك معنى: المُصور. المُبدع. البارئ. الرّزّاق. الوليّ. المُحصي. الغَنيّ. البديع.

****

بحر الرمال، واحة سيوة - نوفمبر 2014:

أتعلم لما قد يدفع البعض مئات الجنيهات مقابل التخيم ليلة واحدة في الصحراء؟

حسنا، ليس هناك سبب واحد، إنما أسباب متعددة. سأذكر لك منها واحد فقط. النجوم! أن تحاط تماما بكل ذلك العدد اللانهائي من النجوم والشهب والأفلاك. أن ترى المَجرّة بأكملها بعينك المجردة. أنجمٌ لانهائية من فوقك، وصحراءٌ لانهائية من تحتك، وإنت محاصر بينهما! 

هنا ترى الوسع. الكبير. العظيم. مَالك المُلك. المَلك. الباسط. المُهيمن. القادر.
****

جبل موسى، جنوب سيناء - ديسمبر 2014:

أتعلم ما المُبهر في الجبال؟ 

الجبال بذاتها! شئٌ ما أعظم من الشموخ المُجرد المُجسد في كل صخرة مهما كبُرت أو صغُرت. التعريجات الصخرية المُكونة للقمم، لا تعلم على وجه الدقة إلما إنجذابها، الأرض؟ أم السماء؟ مُهيبة. لايمكن الإستهانه بها.

هنا تُحاط بالجبار. القهار. المُتكبر. العليّ. القوي. القادر. المتين. المُقتدر. المُتعال. العظيم.


****

جزيرة النباتات، أسوان - فبراير 2015:

 أتعلم مدى إندهاش عقل دائم التفكير في مفارقات الماضي والحاضر؟

هل كانا يعلمان أن ذلك الجنين برحمها - إبنتهما البكر- ستقف في نفس المكان بعد 27 عام من تاريخ إلتقاطهما لهذه الصورة؟ هل خطر ببالهما ما قد يدور في عقلها وهي تتأمل صورتهما؟ هل حاولا التخمين؟ لأي مدى كان من الممكن أن يقارب تخمينهما الواقع؟ هل خطر ببالهما أيا مما مرا به سويا خلال الـ25 العام اللاحقة لتاريخ الصورة؟ هل كانا مدركين لمدى تأثير كل قرار إتخذوه، وكل كلمة آمنوا بها، وكل فكرة إعتنقوها على جنينهما الأول هذا منذ تلك اللحظة، حتى يأتي الآن ليقف في نفس المكان بكل ما برأسه وقلبه من إزدحام؟ هل...؟ هل...؟ هل...؟

قد تجد بعض الإجابات. والبعض هذا كافي لتدرك وتعي به أنه هو مُدبر الأمر. الوكيل. الخبير. اللطيف. العليم. البصير. الوليّ. الهادي.


****

تلك الدقائق التي تبقي فيها رأسك تحت الماء، أو متأملا للنجوم أو للجبال، تجعلك تدرك الكم الهائل الغير نهائي من العوالم و الحيوات التي تعيش معنا على نفس الكوكب، وأن عالمك - بكل ما به من تفاصيل - هو عالم متناهي الصغر. ولأن مشاكلك ومعاناتك جزء أكثر صغرا من عالمك الصغير هذا..

****

كنت أتعجب ممن يقول: "أريد السفر لأعرف الله".. وقتها كنت - ومازلت - مؤمنة أن الله يُعرف في أي مكان وأي زمان. بنفس درجة تعجبي في كل مرة أسمع أحدهم يردد الحديث النبوي: "لله تسعة وتسعون اسما، من أحصلها دخل الجنة"، ثم يتباهى بطريقة إلقائه لاسمائه سبحانه بترتيب مراعي للقافية. الله لا يعاملنا بالعد ولا بالكم! إنما هو الإدراك والوعي والإيمان!

إلى أن أدركت -خلال سفري - أن لله أوجه عدة يُرى بها. وأن إحصائها يتطلب جهد وتدبر وتفكر وسعي في مناكبها أكثر من مجرد سردهم بترتيب ذو لحن موسيقي.

****

****

(*) من وحي أول مشاركة لي مع ولـ  +Terhal ترحال :