Showing posts with label Personal Thoughts. Show all posts
Showing posts with label Personal Thoughts. Show all posts

Friday, August 26, 2022

أن تجد نفسك القديمة

لاكثر من مرة أُسأل عما سأقوله لنفسي إذا ما قابلت النسخة القديمة منها، نسخة مني تصغر الحالية بخمسة عشر عام أو أكثر. وفي كل مرة كان عقلي يتوقف عند نسخة الجامعة أو الثانوية العامة، فلا يتمكن من الذهاب لأبعد مما كان عمري ١٧-٢٠ عاما (وهو ما يصغر النسخة الحالية بما يقارب الخمسة عشر عاما). فماذا عن نفسي المراهقة أو الطفلة إذا؟
----

تنتشر منشورات، مقالات، أو حتى كتب تحت عنوان "نوستالجيا جيل الثمانينات" كل حين وآخر. أتصفحها أحيانا لأجد أن قلة فقط تعيد لي ومضة خاطفة من طفولتي أو مراهقتي. فتفشل تلك المنشورات في إنعاش ذاكرتي المهترئة بما هو أكثر قليلا من مجرد ومضة خاطفة.

أحاول تبرير ذلك بأني من مواليد أواخر الثمانينات، فبالتالي لا أنتمي لهذا الجيل، بل لجيل التسعينات. فخلال تلك الفترة أصبح لي وعي مدرك لما يدور حولي. إلا أن منشورات "نوستالجيا التسعينات" لا تسعف ذاكرتي بما هو أكثر مما تسعفها به "نوستالجيا الثمانينات".

قد يكون نشأتي خارج مصر أول عشر سنوات من عمري هو السبب إذا؟ ربما. ألذلك أنا بلا ذاكرة جمعية أشاركها مع أبناء جيلي؟ احتمال.

فإذا كان ذلك عن سنوات الطفولة، فماذا عن سنوات المراهقة؟
----

بالأمس، كنت أعيد تجديد مكتبة البيت الرئيسية.

ببيتنا مكتبتان، الرئيسية بالصالة، ٩٥٪ مما بها من كتب مملوك لأبي، والبقية كتب لأمي. المكتبة الأخرى أصغر قليلا، بغرفتي، معظمها كتبي، وبعضا من كتب أبي.

تجديد المكتبة، تطلب بطبيعة الحال إعادة فرز للكتب. أمر على عشرات الكتب المكدسة بحرص وروية، لأقرر أيهما يستحق استمرار الاحتفاظ به، وأيهما يمكن التخلص منه لإفساح المجال لكتب جديدة. عملية ميكانيكية، أصبحت أجيدها منذ المرة الأولى التي هان علي فيها التخلص من كتاب واحد بلا قيمة. منذ أن أدركت أن بعض الكتب بلا قيمة، وهو عكس ما تعلمته من أبي تماما.

فواحدة من أهم ما تعلمته منه، هو حب اقتناء الكتب. حب القراءة وإجادتها تعلمته من أمي (أدركت الفارق مؤخرا، إذ كنت أخلط دائما بين الإثنين، فأنسب حبي للقراءة لأبي). أبي كان مولعا باقتناء الكتب. كان يحكي دائما عن كيف كان يدخر من مصروفه -عندما كان طالبا- ليذهب آخر كل شهر لمركز ترجمة ما أو مركز ثقافي ما أو دار نشر ليشتري بضعة كتب مستوردة من الاتحاد السوفيتي (عندما كان هناك اتحادا سوفيتيا). الأمر الذي استمر معه حتى أصبح أبا لأربعة أطفال، يصطحبهم معه سنويا لزيارة معرض الكتاب، ويطلق لهم حرية اختيار ما أرادو من كتب. لا أذكر أن رفض لي شراء أي كتاب، رغم حالنا الميسور قليلا، ورغم عدم ادراكي أنا أو أيا من إخوتي لعنصر المال أو التكلفة. كانت تلك الزيارة بمثابة عيد حقيقي لنا. بهجة ما بعدها بهجة.
----

أبي كانت له عادة خصني بمشاركتها معه خلال عطلة الصيف. وهي إرسالي في مهمة، شبه يومية، لشراء جريدة الأهرام والتنقيب عن أي إصدارات جديدة لمكتبة الأسرة. "بصي عند البياع على كتب مكتبة الأسرة، الكتاب اللي تلاقيه مش عندنا هتيه."

طريقة إنتقاء عجيبة للكتب، جعلتني أؤمن أن علي أن أتذكر أي كتاب لدينا حتى آتي بكتاب آخر جديد، دون أن أهدر ثمنه على كتاب مكرر. فقررت أن أتولى مسؤلية حصر كل الكتب التي نملكها (وقد كانت مهولة العدد)، فلا يمكن السماح لإهدار أي مكان يمكن أن يحتوي كتاب جديد، على كتاب مكرر.

مهمة جليلة ولا يستهان بها، في حياة طفلة مراهقة.
----

وسط انهماكي في فرز كتب المكتبة، يسترعي انتباهي كومة من بضعة كتب، بعضها متماسك والآخر مهترء تماما. مرصوصون في زاوية غير مرئية من رف المكتبة. لا ينتمون لما يجاورهم من كتب (إذ تعلمت من خبرات أمي السابقة في إدارة مكتبة الكلية التي كانت تُدرس بها، أن ترص الكتب حسب فئتها). تلك كانت كتب مراهقتي! تلك كانت كتب اشتريتها بنفسي من معرض الكتاب، أو اشتراها لي أحد أبوي (الأغلب أبي). تلك كتب كنت اقضي معها أغلب وقت فراغي طوال فترة مراهقتي. ما أن بدأت بفرها واحدا تلو الآخر، حتى انساب شلال من ذكريات تلك الفترة، أواخر التسعينات - أولائل الألفينيات، فترة مراهقتي.

كل كتاب منهم له ذكرياته الخاصة معي. له ململسه الخاص، رائحته الخاصة، احساسه الخاص الذي كان يثيره في آن ذاك. إلا أن أخصهم، كان كتاب صغير جدا، ما إن فتحت غلافه حتى فوجئت باسمي موقع على الصفحة الأولى بخط يد أبي. كانت عادته أن يوقع اسمه "رفعت شديد" على كل كتاب يمكله. تلك عادة أخرى ورثتها منه، فاصبحت أوقع كتبي باسمي "ياسمين رفعت". هنا أجد كتابا من كتبي موقعا باسمي مصحوبا بلقب العائلة بيده هو.



متى وقعه؟ لما وقعه؟ لماذا اختار لقب العائلة بدلا من اسمه هو؟ لم يكن شائعا أبدا أن يصاحب اسمي لقب العائلة، إنما اسمه هو كان المصاحب دائما. فلما هذه المرة؟!

وذلك الكتاب تحديدا، لم يكن من اصدارات مكتبة الأسرة. ولا اعلم يقينا إن كان من غنائم معرض الكتاب، أم كان من آثار تلك العام التي عشتها مع جدي وجدتي (رحمهما الله) وخالتي. فهو إذا من خالتي، هي من اشترته لي ضمن ما كانت تشتريه لي من اصدارات "روايات مصرية للجيب". ذكرى أخرى من ذكريات أوائل مراهقتي، ومضة أشاركها مع أبناء جيلي ممن فتنو بمغامرات فلاش والمواطن المطحون.

صورة الغلاف تبعث بعض ومضات من حالة اندهاش وإعجاب بسحر ما غامض. أقرر أن أقرأ هذا الكتاب الليلة قبل النوم. لأجد مع كل حبكة وتفصيلة في القصة، انسياب شديد اللطف لإحساس طفلة ذات ١٢ عاما بنشوة اكتشاف سحر القصة والحكي لأول مرة.



لقد وجدتها! وجدت نسختي القديمة الضائعة!

ذلك الكتاب الهزيل، ذو اللغة الفصحى السهلة، والكلمات كاملة التشكيل، والحبكة التقليدية شديدة البساطة، والرسومات متفجرة الحركة ذات الألوان شديدة التشبع، كان بمثابة آلة زمن أعادتني لما كنت أحاول تذكره عن نفسي. فتاة سهلة الانبهار بالحيلة الذكية غير اللئيمة، ذات خيال جامح شره، وإفتتان بلا حدود بسحر الحكاية.

لا أذكر أين سمعت مقولة، "المزيكا عاملة زي ألة الزمن. أغنية واحدة قادرة ترجعنا بالزمن لوقت ما أو حالة ما في ماضي"، أو شيء من هذا القبيل. يبدو أن للكتب نفس التأثير.
----

منذ عدة أيام كنت أشاهد فيلم The Adam Project. فيلم خفيف للتسلية. إلا أن جملة البطل لنسخته الأصغر التي قابلها عبر السفر بالزمن تستوقفني لبرهة:

"I spent thirty years trying to get away from the me that was you and, I'll tell you what, kid, I hate to say it, but you were the best part all along."

لم أعي تماما ما كان يقصده. أعتقد إني أعي لآن.


Sunday, August 21, 2022

ياسمين محمد: الصديقة المنجاة والونيسة

"الموت مصيبة الأحياء، لا الأموات" - أو كما قال غسان كنفاني، إن كان هو القائل حقا ولم تخني ذاكرتي.
----
الخميس، ٧ يوليو:

بليل، قبل وقفة العيد الكبير بيوم. آخر يوم شغل قبل أجازة العيد، وبحاول أنجز لأن الوقت اتأخر ولسه قدامي شغل كتير. الموبايل قدامي على المكتب ينور بـ notification رسالة من ياسمين يوسف بتقول: "ياسمين ازيك". استغرب جدا، الدخلة دي مش طبيعية. دي مش طريقتها في الكلام معايا. في إيه؟!
ثواني وتظهر notification تانية: "عندي خبر مش كويس". بمجرد ما أقرأ الجملة، لاقيني بقول: ياسمين محمد ماتت!

الخاطر فزعني. إزاي افكر في حاجة زي كدا!!

أمد ايدي للتليفون علشان افتح الرسالة وأرد عليها، في نفس اللحظة اللي يرن فيها بمكالمة من سارة. أرد، فتكلمني ببهجة تعيد عليا وتحكي عن خطط العيد ونعمل إيه فيه سوا. أبذل مجهود خرافي علشان أركز في كلامها، بس عقلي عمّل يفكر في رسالة ياسمين يوسف وإيه ممكن يكون الخبر اللي مش كويس.

معرفش هل أخدت بالها من عدم تركيزي ولا لأ، بس حكيت لها إن ياسمين بعتالي رسالة غريبة. فتسالني:
- هيكون إيه يعني حصل؟
- مش عارفه. بس يعني تلاقي حد من صحابنا حد من أهله توفى ولا حاجة، ولا في أسواء الأحوال حد من صحابنا تعبان مثلا.

مقدرتش احكي لها عن الخاطر اللي مسيطر على تفكيري ومش عايز يروح، ومش فاهمه إزي فكرت فيه، وليه أصلا حاجة زي كدا تيجي في بالي من أساسه!! ورعبي من نفسي ومن عقلي اللي فكر في حاجه زي كدا، ومش قادر يتخلص منها.

أنهي المكالمة، وافتح رسالة ياسمين، ألاقي سطر جديد فيها: "ياسمين محمد توفت امبارح".
-----

الأحد، ٢ مايو ٢٠١٠:

أول يوم شغل ليا في Symbyo. سامح، الـ HR manager، واخدني في جولة في المكتب. يفتح باب أوضة ويشرح لي: "دي أوضة الـ managers كلهم، ودي ياسمين محمد، الـ projects manager، وهي اللي هتديكي الـ technical orientation كمان شوية، وهتشتغلي معاها".

الأوضة كانت فاضية، ياسمين بس اللي كانت موجودة فيها. أول ما اتفتح الباب، بصت علينا -عليا- بصة سريعة ورجعت تبص على شاشة الجهاز اللي قدامها. سامح بيتكلم، وهي باصة في الشاشة وتهز رأسها مستنياه يخلص كلام بعدم صبر وبتبتسم ابتسامة حد مش طايق اللي حوليه. أول ما خلص كلامه، قالت بسرعة واقتضاب شديد: " هجيلك، هجيبك".

مديتنيش أي فرصة أسلم أو أقول أي حاجة. اسلوبها إداني انطباع إنها بتطردني أو مش عايزه تتعامل.

سامح خلص الجزء بتاعه من الـ orientation وخلاني استنى في الـ meeting room لحد ما ياسمين ما تيجي تكمل الجزء التقني.

قعدت استنى وأنا عماله أفكر في تجربة شغل سابقة مزرية بسبب الـ PM. وأدي الـ PM هنا في الشغل الجديد، اللي لسه بنقول فيه ياهادي، شكلها هتطلع خازوق هي كمان.

وإذ بالباب ينفتح بشكل مفاجئ، وياسمين تدخل ولا أجدعها عاصفة صحراء، تحط حاجتها على الطربيزة بسرعة، وبسرعة أكتر تبدأ تتكلم وتتكلم وتتكلم، وأنا قاعدة بحاول keep up with her. شوية وخيرتني بين حاجتين، قولت لها مش فارق معايا اللي هي شيفاه تمام تعمله. وفضلت تشرح وتشرح. شوية وخيرتني تاني بين حاجتين تانين، قولت لها نفس الرد. علقت باستهجان: "مبيقلقنيش غير الناس اللي مبتعرفش تختار دي وتقول أي حاجه أي حاجة!"، وكملت شرح.

اتفاجأت من ردها. وحسيته في إهانة كدا وأنا مش فاهمة في إيه. فبراحة كدا وقفت كلامها، وأنا بحاول جاهدة إلتزام أقصى درجات ضبط النفس وبـ tune هادي محايد كدا قولتلها: "أنا معرفش الحاجتين اللي بتخيريني بينهم علشان ممروش عليا قبل كدا، فهم بالنسبة لي واحد. يا تشرحي لي الفرق، فأقدر أقرر، يا تختاري إنت حسب خبرتك بيهم. إنت الأدرى بيهم، مش أنا".

اقتنعت، وهدت الـ tune شوية. وبقت بتتكلم بهدوء سيكة صغيرة، وحسيت إن المود الدفاعي اللي كانت فيه هدي شوية بردو. بس أنا كنت في معركة جويا ما بين إني أصدق إني مش هعمر في الشركة دي، وإن قدامي أوقات عصيبة هعيشها على إيد مديرة بزعابيب. وما بين استهدي بالله كدا يا بنتي وبلاش أحكام من انطباعات أولية. اصبري وشوفي ونحكم بعدين.

دي كانت أول مرة أشوف فيها ياسمين، أول مرة نتقابل. ودا كان أول إنطباع ليها عندي، مديرة مش سهلة هتحول حياتي لجحيم!

ودا اللي اكتشفت إنه غير صحيح إطلاقا خلال الأسبوع الأول ليا في الشغل. ويعني لو أنا فاكرة كويس دا اللي اكتشفته بعد يوم أو إتنين بالكتير لما طلبت منها على استحياء كدا إني يوم ٥ مايو امشي الضهر علشان احضر حفل تخرجي. فوافقت فورا وهي بتهزر على أد إيه أنا لسه صغيرة ويادوب متخرجه وبتاع.

- اه طبعا ممكن تمشي بدري، ولو حابه تاخدي اليوم كله أجازة عادي بردو. اتبسطي.
- إيه دا!! بالسهولة دي؟!... طيب مش محتاجه أقول لسامح ولا لأيمن؟
- ممكن تقولي لسامح لو عايزه، بس أنا كدا كدا هبلغه، وكدا كدا إنت تمام مادام أنا قولت تمام.
- أنا بسأل علشان بس مش عارفه إيه الـ notification process. فلو كدا خلاص تمام.

الحقيقة مش دا اللي كنت بفكر فيه. بس هو عقلي مقدرش يقاوم الصدمة من المقارنة بين سهولة وسلاسة الموافقة على حاجة شخصية تافهة لحد لسه مكملش يومين عمل. وبين تجربة سابقة، كنت بحفى بالأيام وأحيانا أسابيع علشان معلومة أو حاجة موقفه الشغل (اللي مش شخصي، واللي المفروض بيترجم لفلوس) علشان الـ PM يحس بأهميته وإن الشغل مبيمشيش من غير وجوده!
-----

تقريبا مع بداية الأسبوع التالت، لقيتها بتقولي إنها ويحيي، الـ CEO، قررو إني هكون مسؤولة عن المشروع اللي كنت بشتغل فيه بشكل كامل. مش هكون بس الـ develover، لكن هشيل كمان الـ project planning و التعامل بشكل مباشر وأوحد مع الـ business analyst في فلوريدا.

الـ daily stand up meeting الي كنت بعمله معاها، بقى بيتعمل مرتين بس في الأسبوع. وبعدين بقى مرة في الأسبوع، مرة كل أسبوعين، مرة كل شهر، لحد ما بقى مرة كل ما احتاج، فكان ممكن نعمل اجتماع مرة كل كام شهر عادي.
-----

٢١ إبريل ٢٠١١ - مكتب Symbyo:

خلصت تاسك ما، وشيلت السماعات من على ودني، وأنا بفكر أكل إيه. جعانة جدا ومعييش أكل ولو طلبت دلوقتي الأكل هيغيب على ما يجي. في وسط حسبة برمه دي انتبهت إن الأوضة هادية زيادة عن اللازوم. بصيت حوليا لقيتها فاضية. أحمد - زميلي اللي قاعد على المكتب اللي جنبي هو بس اللي موجود. الأربع زملاء اللي قاعدين في ضهرنا مش موجودين. الأغرب إن ملهومش حس بره الأوضة. والأغرب والأغرب باب الأوضة مفتوح ومفيش حس لأي حد في الشركة كلها، ودي حاجة مريبة! دايما بيكون في حد حسه طالع من مكان ما!

لسه هبدأ في تصور سيناريوهات عن How did the Symbyoans vanish، وهل الأولى افكر في دا ولا في معضلة الأكل؟ لقيت عاصفة الصحراء، ياسمين محمد، داخلة الأوضة تنادينا أنا وأحمد وعلى وشها ابتسامة التعلب المكار: "تعالو الميتينج رووم حالا. عاملين إحتفال بعيد الأم دلوقتي."
- عيد الأم؟!!! بجد؟! (كنت مصدقة وفي نفس وقت مستغربه).
- أيوه يلا تعالو بسرعة.

أدخل الميتينج رووم وراها، ألاقي الشركة كلها متكدسة فيها. وطرييزة الاجتماعات الطويلة عليها الكثير والكثير من البيتزا والجاتوه والمشروبات. فأنشكح جدا جدا.. أكل!! هاكل!

انشكاحي بالاكل مغطاش على استغرابي بفكرة الاحتفال بعيد الأم. وزود الاستغراب كمان وجود يحيي بفيديو كوول من أمريكا. "هو إيه الي بيحصل؟! يحيي موجود علشان عيد الأم؟!! مش منطقي!.. مش مهم.. المهم إن في أكل. مش هناكل بقى؟".

أكتر من حد بيهزر ويألش على احتفالية عيد الأم، وأنا بفكر في الأكل. لحد ما يحيي قال: "إحنا مش هنحتفل بعيد الأم المرة دي. إحنا بنحتفل بأحمد وياسمين لأن كل واحد فيهم شايل مشروع كامل لوحده، وحققو فيه إنجازات. فالحفلة دي علشانهم. أحمد عمل... ( وقعد يسرد كتير من انجازاته ويمدح فيه كتير)... وياسمين عملت... (وقعد يسرد ويمدح كتير)..."

ومع كل حاجة حلوة كان بيقولها عن "ياسمين"، كنت بهز راسي تأكيد وإعجاب بكلامه، وأقول في سري: "أيوه صح. معاك حق. دا كفاية بس اللي عملته معايا، فمابالك باللي عملته مع باقي الـ teams. ياسمين دي عظييييمة!".

يحيي خلص كلامه، ولقيت سامح بيديني شهادة تقدير.
ثانية واحد!.. أنا؟!!!... دي ليا أنا؟!!
هنجت! مش مستوعبه حاجة ومش فاهمة إيه اللي بيحصل!! ياجماعة مش أنا! أنا ياسمين تانية. إنتم تقصدو ياسمين محمد. مش أنا!

وسط صدمة المفاجأة وإني لقيت نفسي تحت الأضواء على خوانة (ووجودي تحت الأضواء بدون خوانه كفيل إنه يوترني!)، ومحاولاتي إن ثانية واحدة بس يا جماعة نفهم، لقيتهم بيطلبو أقول كلمة.

مصدقت الناس إندمجت في الأكل، فخرجت ورجعت لمكتبي، بحاول اخد نفَسي، واستوعب براحة كدا إيه اللي حصل من شوية دا. لقيتها جايه ورايا، وبتبتسم ابتسامة السعيد بإنجاز مهم في حياته. مصدقت لقيتها قدامي وإحنا لوحدنا في الأوضة، فسألتها:
- يحيي كان بيتكلم عنك. صح؟!
- عني آه، عني. (بطريقتها الساخرة اللي بترد بيها على أي حد يقول حاجة متخلفة قدامها).
- أيوه يقصدك إنت. طول الوقت كان يقصدك!
- ... (صمت, مع نظرة إنت عبيطة؟)
- يقصدك إنت والله!
وقعدنا نضحك.

مش فاكره هل أنا اللي طلبت منها ولا هي اللي اقترحت من نفسها إنها تصورني مع الشهادة. بس الصورة دي كانت الحاجة الوحيدة اللي كنت بقنع بيها نفسي إني كنت أنا المقصودة. ولسه لحد اللحظة دي في خناقة في دماغي ما بين لا مش أنا المقصودة، وبين ممكن نعيد اللقطة دي تاني والنبي علشان مكنتش مركزه المرة اللي فاتت؟!
----

ياسمين كانت قادرة تشوف إني بنتج أفضل وبشكل فعال أكتر لما بكون under minimal supervision، قولي عايز توصل لإيه، إيه الهدف، وأنا هعرف اتصرف بكفاءة وبأقل الموارد، ولو عطلت هعرف أقول وهعرف إزاي أحل العطل بالحد الأدنى للخساير -إن وجد. إنما إن حد يقف فوق راسي يراقب أو يديني تعليمات واحدة بواحدة بالقطارة، دا مش هيشوف فيا غير حد عنيد، غبي، مغرور، أو غير كفء (في أفضل الأحوال). ودي حاجة كنت أعرفها عن نفسي من يمكن أيام الجامعة. لكن تجربة الشغل السابقة هزت ثقتي في نفسي ومعرفتي بامكانياتي. فلولا إنها اتاحة لي الفرصة، مكنتش قدرت أكمل في أي حاجة أو أي شغل، بما في ذلك Symbyo.

الحاجة التانية الأهم، وحيث إني كنت solo-team، مبشتغلش مع فريق، إلا مع ياسمين بشكل مباشر. وكشخص انطوائي (وذو مهارات تواصل اجتماعي شبه منعدمة وقتها) كان احتكاكي بباقي الزملاء محدود للغاية. فكان عندي زي انطباع كدا إني الموظفة الغير مرئية، محدش يعرف عني أو أنا بعمل إيه أي حاجه.

وهنا الجميل الأعظم اللي شيلهولها طول عمري. محدش كان ممكن يعرف أي حاجة أنا بعملها لولا إنها كانت بتقول. ودي مش مبالغه أو حاجة تافهة، لأن لو حد اشتغل في مكان كان بيتم نسب مجهودك وشغلك لمديرك (اللي كان مبيعرفش أصلا إنت بتعمل إيه)، ويتم نسب أخطاء مديرك (اللي إنت ملكش بيها أي صلة من بعيد أو قريب، وهو المسؤل الأول والأخير عنها) ليك، كنت هتعرف إنها مش حاجه عادية أو إنك بتبالغ في تقديرك لمدير كان مبيحسش بتهديد منك أو عنده مشكلة إنك تشيل مسؤوليات أكبر من سنك وخبراتك وحتى بره مسماك الوظيفي.

علشان كدا، أي إنجاز عملته في Symbyo كان بسببها. وأي احتفال منهم بيا كان بفضلها.
----

مؤمنة إن الواحد مش محتاج أكتر من تجربة واحدة بس صحية يكون فيها على طبيعته، علشان يعرف نفسه، ويعرف يتجاوز أي تجارب سيئة تانية بأقل قدر من الخسائر.

كنت محظوظة بالقدر اللي خلى في حياتي شخصين. ياسمين كانت هي الشخص التاني صاحب الأثر دا في حياتي (التاني هنا من حيث الترتيب الزمني للظهور في حياتي، ولصلة القرابة، وحجم الأثر). أثر معاملتها ليا واللي اتعلمته منها خلال فترة شغلنا سوا، فضل مكمل حتى بعد ما مشيت من الشركة وسبت المجال كله. علشان كدا هي الصديقة المنجاة، المنجية من تجارب شغل -وحتى صداقات- مهلكة كنت بسيبها علشان بس بأدرك إن مش دا المكان اللي هعرف أطلع فيه أحسن ما عندي، ولو فضلت فيه هأستنزف بشكل بشع.
----

لما جيت افتكر أنا قولت إيه لما طلبو أقول كلمة في احتفال عيد الأم المزيف إياه، لقيتني مش فاكره خالص! بس افتكرت إن في فيديو فيه اللقطة دي. دورت عليه، لقيته الحمد لله شغال (بغض النظر عن الكولاتي السيئة). ٦ دقايق ونص. وأول ثانية فيه أنا بقول بصوت بالكاد مسموع: "مش عارفه!... مش عارفة أقول إيه!". فترد ياسمين: "السؤال البديهي، جبتو بيتزا مرجريتا؟". تقريبا موجة الضحك إدتني فرصة أجمع شوية، فأحاول اتكلم، بس صوت الضحك أعلى من صوتي. بس الجملة تطلع أخيرا:" لولاها مكنتش أعرف أعمل أي حاجة." وأشاور عليها.

وسط التدوير على الفيديو دا، ألاقي فيديو تاني، ٦ دقايق ونص بردو، من الـ farewell party بتاعتي، يوم الخميس ٢٩ ديسمبر ٢٠١١. ياسمين بتتكلم لمدة دقتين كاملين عني. وانا واقفه جنبها super nervous كالعادة لوجودي تحت الأضواء. الغريبة إني بردو مكنتش فاكره خالص الفيديو دا ولا حتى فاكره إنها اتكلمت يومها. كل اللي فاكراه يحيي وكلمته وهديته الخاصة. عقلي بيقولي يمكن علشان دا بالنسبة لي آخر يوم في علاقتي مع يحيي، بس ياسمين لأ؟ يمكن؟!
----

علاقتنا فعلا استمرت بعد ما مشيت من الشغل. استمرت للأفضل والأقوى، وبقيت أقرب صديقة ليا. بس كان في احساس تاني مختلف عن بقية الأصدقاء. فيييين لما أدركت إن بسبب فرق السن، وإن هي الوحيدة من بين كل صحابي اللي بينا فرق سن كبير نسبيا (بقية اصدقائي كلهم يا نفس سني، يا فرق سنة سنتين بالكتير)، خلاني أميل لإنها أختي الكبيرة اللي ربنا رزقني بيها من أب وأم تانين. وأظن إنها كانت بتعاملني من نفس المنطلق، أختها الصغيرة اللي بتربيها وبترعاها ومتبنياها. هي أصغر إخواتها، وأنا أكبر إخواتي، بالذات إني عندي احساس دائم باحتياجي لأخ أو أخت كبيرة ألجأله وقت العوزه.
----

كان لينا طموح إننا نكون شركتنا الخاصة. ياسمين يوسف اقترحت فكرة، ومش فاكره إزاي انضمينا ليها إحنا الإتنين. وبشكل ما (مش فاكراه بردو) بقينا في حاجة ما خليتنا نتردد على الجامعة الأمريكية كتير. مش فاكره تفاصيل كتير، بس أهم ذكرى هي مرة كنا في فرع الجامعة في التجمع، أنا وهي بس، قاعدين فترة طويلة مستنين حاجة، بس قاعدين ساكتين. سكون لمدة طويلة بدون أي إحساس بحاجة لملئ فراغ الصمت. متونسين بالسكات. أخدت بالي، وانبسطت جدا لأن دي بالنسبة لي علامة بالقرب والود والراحة. ونس حقيقي. العلامة اللي بيها بعرف إن دي علاقة غالية وقريبة جدا لقلبي. فأطلع الكاميرا، وأصورها هي مرجعه راسها على الكرسي كإنها نايمه على كرسي بحر ومأنتخه.

بعد فترة (يمكن أيام أو شهور) وإحنا بنتكلم في حاجة ما (مش فاكره هي إيه) تقول لي في وسط كلام: "إنت من الناس اللي مبزهقش من القعاد معهم فترة طويلة حتى لو مش بنتكلم، وببقى مرتاحه". أتبسط جددداااا! جدا جدا جدا! ومقولتلهاش إنه احساس متبادل. بس احتفظت بسعادة اكتشاف إني مش موهومه وإن هي كمان بتتبسط بالونس دا لنفسي.

ياسمين، لحد اللحظة، واحدة من ٣ بني آدمين فقط اللي بحس معاهم الاحساس دا. ولا واحد منهم بقى موجود دلوقتي.
----

على أواخر ٢٠١٢، يبتلعني أكبر ثقب أسود مر عليا في حياتي، حتى اللحظة. أدخل على أثره في غيبوبه عن الوجود لمدة ثلاث سنوات. أتعلم لاحقا أنه كان grieving، مصحوبا بـ post traumatic stress. لا أذكر أي شيء عن أي شيء خلال تلك الفترة. اللهم إلا ومضات قصيرة، كانت بمثابة شقوق من نور وهواء في عازل قطني كثيف ثقيل مظلم محاوطني. أو كما وصفته Joan Didion:

تلك الشقوق اللتي كانت تسمح لي بالتنفس قليلا، ومن ثم المقدرة على مقاومة ذلك الابتلاع، ما كانت إلا مواقف أو كلمات من أصدقاء قله، أذكرهم بالاسم حتى مماتي، على رأسهم -بالطبع- ياسمين محمد.

كنت أقابلها وأنا منهكه بشدة من كل شيء في حياتي. منكهة لأقصى درجة، فأتركها وقد عادت لي بعض عافيتي. فاستقوى بها في مواصلة المقاومة. كثيرا ما أحاول تخيل حياتي الآن أو حتى آن ذاك بدون وجود ياسمين. لكن عقلي لا يقوى على الفكرة. كيف يمكن لكائن حي النجاة بدون تنفس كل تلك الفترة؟!

She was for me, like Kate Bush for Max, in that epic scene in Stranger Things S04.

----

أتجاوز تلك الحقبة المظلمة بأعجوبة وبستر من الله الكريم الرحيم. وبالكاد أضع يدي على أول الطريق المهني الجديد، أخبرها بأني أدرس في ورشة إخراج أفلام وثائقية قصيرة، ثم أني أُخرج أول فيلم.

بعد عدة أسابيع، أجد رسالة منها تخبرني فيها عن صديقتها الليبية المقيمة بالأردن، والتي ترغب في بدأ مشروع برنامج على اليوتيوب، وتحتاج لمونتير شاطر. وتعرض أن تعرفني عليها لنعمل سويا.

أعمل بالفعل في المشروع. أضيفه إلى my portfolio. وأقدم على وظيفة جديدة. فأقبل بها، ويخبرونني صراحة أنهم تحمسو للعمل معي فقط بسبب ذلك المشروع!

منذ تلك اللحظة بدأ مشواري المهني كمونتيره. فقط برسالة من ياسمين! مَدينةٌ لها بكل إنجاز صنعته في مهنتي الجديدة هذه.
---

٢ أكتوبر ٢٠١٨:

بليل، وبعد يوم تصوير طويل في العياط مع الممثل أحمد أمين والمخرج علاء إسماعيل، وأنا في العربية مع شيماء طنطاوي وفي وسط كلامنا عن اليوم واللي حصل فيه.

- شيماء.. أنا افتكرت حاجه غريبة جدا!!
- خير؟؟
- من كذا سنة، في واحدة صاحبتي عزيزة جدا، قالت لي أكلم أمين أشتغل معاه. وقتها قولت لها مين دا؟ قالت لي إزاي معرفهوش؟! دا اللي بيعمل البريك. شوفي إحنا النهاردة فين؟ أديني اشتغلت معاه وهو لسه عامل الوصية ومكسر الدنيا. لا وكمان هو اللي طلب! مش أنا!!


---
"وتعلمت، في المقابل، أن هناك بشرًا مذهلين(**)، إن سألتهم إذا كان يمكن تحطيم جبل ضخم بملعقة فيجيبون أن كل شيء ممكن إن أحسنا التفكير وأصررنا على ما نريد، بل ويبدأون فورًا في التفكير في العمل ذاته بدافع من الفضول ومن التحدي للذات. وبعضهم بالفعل يجد شقًّا في الجبل، وفور أن يضرب ذلك الشق بملعقته الضئيلة فإذا بالشق يمتد في الجبل كله فينهار، فكل شيء ممكن لمن يؤمن ويفكر ولا ييأس."


(**) هم كُثر في حياتي - والحمد لله - لكن هنا بالذات لم أستطع التفكير في أحد غير أبي وصديقتي الرائعة ياسمين محمد.

مقطتف من بوست هنا على المدونة بتاريخ 3 نوفمبر 2012. أنشره بعد أيام من الثقب الأسود الأول.

---

بعيدا عن دور السوبر هيرو اللي ياسمين كانت بتلعبه في حياتي، كنا بنتبسط بحاجات عبيطة كتير. من أول إن مش بس إحنا لينا نفس الاسم ومن نفس البرج، بس كمان لينا نفس اسامي الاخوات، مش أخ واحد، لا اتنين! مرورا بإننا بنفتكر تاريخ ميلاد بعض بدون reminder. آخر رسالة منها كانت بمناسبة عيد ميلادي. 

لما سافرت كاليفورنيا لأول مرة (في ٢٠١٣ تقريبا)، رجعت وجابت لي clapper هدية. مكنتش متوقعه إنها تفكر في هدية ليا أصلا! لا وكمان هدية very thoughtful زي دي.

- كنت في هوليوود، وقعدت أفكر فيكي، وقولت مسيريك تيجي هنا. كان في Oscar best dad وحاجات شبه كدا، بس قولت لا دي أفضل..

- لا لا.. دي أفضل طبعا.. (مقدرتش أشرح، وحسيت -أيقنت- إني مش محتاجه أشرح، لأنها فاهمة كويس).


مرة قابلتها بعد عيد ميلادها بكام يوم، في الطريق عديت جبت لها رواية (غالبا سراي نامة بتاعة محمد عبد القهار) هدية:

- أنا عديت على ديوان في السكة جبتلك دي هدية. يارب تعجبك وتفهمي منها حاجة علشان أنا مفهمتهاش ومقدرتش أكملها، بس الناس كلها بتشكر فيها. كل سنة وإنت طيبة! 😁
- اللللللله... إيه الحلاوة دي..
- معاكي قلم أكتبلك إهداء؟
- لا هو إنت تجبيها وكمان عايزه تكتبي الاهداء!! أنا اللي هكتبه أوعي كدا.

----

تقريبا كل شخص أعرفه بيكون مرتبط في ذهني بحاجات معينه. ريحة، مكان، صوت، احساس، أو شيء.

ياسمين مرتبطة عندي بنادي نقابة المهندسين في أبو الفداء، الجامعة الأمريكية في التجمع، سوبر ماركت مترو الدقي، تحديدا المسافة اللي بينه ومابين المكتب. المسافة ما بين الجريك كامبس في التحرير وشارع ٢٦ يوليو في الزمالك، والغدا سوا في صوفي (رغم إن رضوى كانت معانا اليوم دا إلى إنه مرتبط معايا بياسمين أكتر، معرفش ليه). حتة معينة على الصخور الضخمة قدام قلعة قايتباي في اسكندرية، كانت تقريبا أول مرة نتكلم فيها بشكل بعيد عن الشغل ومش عن الشغل (مش فاكره اتكلمنا عن إيه). واللي كل مرة اروح لها تاني معرفش اوصل لها بسبب إنهم غيرو المكان ومبقاش متاح الوصول اللي منطقة دي. 


أغلب الأماكن دي متعلمه في ذاكرتي بحاجة قالتهالي نورت حته عتمه كدا في دماغي. بعضهم لسه فاكراه، والبعض الآخر مش فاكراه. بس التأثير لسه موجود لحد اللحظة. تاثير حد يرمي كلمة فتنور لمبه كدا في الدماغ.

كمان الاحساس بالأمان. أقدر أتكلم معاها وأحكي لها أي حاجة مهما كانت وأنا مطمنة إن مفيش أحكام. أو إن الكلام دا هيستغل في أذى. احساس بالسند، أقدر ألجأ لها في أي حاجة في أي وقت مهما كانت كبيرة أو صغيرة، وإنها عمرها ما هتخذلني. لوقت طويل كنت مقتنعه إني حد مبيعرفش يطلب المساعده. بس اخدت بالي إن دا مكنش حاصل مع ياسمين. أقدر أطلب منها أي حاجة بسهولة وهلاقي عندها إجابة.
-----

يوم الخميس، ٧ يوليو، بليل، قبل وقفة العيد بيوم. آخر يوم شغل قبل أجازة العيد، وبحاول أنجز لأن الوقت اتأخر ولسه قدامي شغل كتير، وعقلي عمال يفكر في خطط العيد. مين عايزه أتصل بيه أأكد عليه العزومة، مين بقالي كتير مكلمتهوش فأكلمه أعيد عليه، بس أهم حد لازم أكلمه هو ياسمين محمد. هكلمها أعيد عليها وأقول لها إن أخيرا ظروفي تسمح إني اسافر بره مصر، فهي بس تختار البلد والوقت اللي تحبهم وأنا هجي لها على طول. حلم سنين باللقا أخيرا هحققه. الموبايل قدامي على المكتب ينور بـ notification رسالة من ياسمين يوسف... "ياسمين محمد اتوفت امبارح."


----

كترة الخساير خلت الواحد يدرك إنهم نوعين. نوع بتخسره لكن بيسب مكان فاضي لحاجة تانية جديدة  تملاه، في الغالب بتكون أفضل من اللي راح. ونوع بيسيب ثقب أسود، فراغ، هوّة سحيقة، حجمها مش ثابت، والغالب إنه بيكبر مع الوقت ودورك مقاومة ابتلاعك فيه. انت عايش بتقاومه وبس.
---

ياسمين، 
ياسو، حياتي، حبي واعتزازي...
مفتقداكي يا فتاه. مفتقداكي بشكل غير طبيعي وغير اعتيادي. وزعلانه منك، وغضبانه منك، وفاهمه ليه، ومقدره، وراضيه بقضاء الله، ويحاول اتعايش، بس الموت مصيبة الأحياء، لا الأموات. تفتكري دي أنانية من الأحياء؟ غالبا هتقولي لا مش أنانية منهم، ما أصل هم اللي موحولين هنا، إنما اللي مات خلاص دا عند ربنا، ربنا يتولاه، بس اللي عايشين من غيرهم دول هم اللي غلابه، أصل هيكملو إزاي! فأقولك: "صح! دا بالظبط اللي بفكر فيه. بس هتفضل المعضلة الأكبر للأحياء، إزاي يتجاوزو فكرة عدم وجودهم جنب الأموات في وقت محنتهم وضعفهم. ليه الأموات بيبعدو؟ ليه مبيدوش فرصة لرد الجميل؟ ليه مبيدوش فرصة للأحياء إنهم حتى يفشلو في القيام بدورهم وواجبهم؟"
- "بس إنت عارفه لإجابة. مش كدا؟"
- "أيوه. فاهمه ليه. ومقدرة."

مفتقداكي يا فتاه! واحشني حضنك القوي، وبوستك اللي بتطرقع ع الخد. واحشني كلامنا وقعدتنا الصامتة. كان نفسي تشوفي النسخة الجديدة مني. إنت شوفتي نسختين، الهبلة الساذجة، والمصدومة الدايخة. فايتك المفرهدة المستغنية، كانت هتعجبك قوي! بس يعني أظن ملحوقه، هنتقابل، يارب يكون عن قريب. وقتها، همسك في زمارة رقبتك، وأقعد أزمر بيها زي ما اتفقت مع سهير.

Saturday, June 19, 2021

أفلام أتمنى لو كنت مُخرجتها

واحدة من الأسئلة الذكية والشيقة جدا اللي ممكن أي حد مهتم بصناعة السينما يتسألها هي: لو في فيلم اتعمل بالفعل شايف أنك ممكن تكون أنت مُخرجه، إيه هو الفيلم دا؟ وليه؟

ودا سؤال مختلفة تماما عن سؤال  إيه فيلمك المُفضل، أو اللي أحداثه شبه أحداث من حياتك، أو اللي لازم يشوفه أي حد بيحب السينما، أو اللي نفسك تعيش أحداثه، أو أكتر فيلم أثر فيك بشكل ما. هنا السؤال بيحاول يستكشف إنت "كمُخرج" بتفكر إزاي؟ بتشوف العالم من حوليك إزاي؟ إيه شكل العَالَم اللي إنت قادر على تخيله وخلقه؟

لسنين مكنتش عارفه أجاوب على السؤال دا. لحد يمكن من 3 سنين تقريبا، لما شوفت Dhobi Ghat (Mumbai Diaries) للمره الأولى. وفضل متربع لوحده في القائمة دي، لحد لما إنضم له Away We Go من كام اسبوع.

فاحتفالا بإن القائمة بتكبر ما شاء الله، قررت أتكلم عن الفيلمين دول، وتحديدا من ناحية ليه حابه أكون مُخرجتهم إذا كان ليا إني أكون يعني في عالم موازي مثلا.

Dhobi Ghat (Mumbai Diaries) - Kiran Rao, 2010
Dhobi Ghat (Mumbai Diaries)
Kiran Rao, 2010
Away We Go - Sam Mendes, 2009
Away We Go
Sam Mendes, 2009

تنويه: أنا مونتيرة في المقام الأول، دي موهبتي ومهنتي. أطمح أكون مُخرجة\مُنتجة مُنفذة أي صورة من صور التعبير البصري الـ non-fiction أو فيديو كليب بالكتير مثلا. لكن إخراج أفلام روائية مش في قائمة الحاجات اللي شايفه نفسي عايزه أخرجها، وإن كنت حابه جدا ونفسي أخوض تجربة مونتاج أي عمل روائي. بالتالي إجابتي على السؤال لا تتضمن القدرة التقنية أو الرغبة الفعلية للإخراج. 

*****
# Dhobi Ghat - المدن والبشر وما بينهما:
دايما دايما دايما بيكون للأماكن والمدن تأثير قوي عليا. ومقتنعه إن كل مكان له تأثيره على الناس اللي عايشيين فيه. على طريقة تفكيرهم، وطريقة تعاملهم مع الأشياء الملموسة والغير ملموسة حولهم، ورؤيتهم لنفسهم ولبقية الكون، سواء عن وعي أو لأ. أول مره أخذ بالي من دا يمكن لما سافرت اسكندرية أول مره في 2010. ومن وقتها ولحد آخر مرة سافرت فيها للأقصر وأسوان والاسكندرية في اسبوعين ورا بعض في يناير وفبراير اللي فاتو، والقناعة دي متغيرتش. 

ودا كان أحد أسباب محاولاتي في "الحياة في القاهرة" في الفترة 2013-2015. ومازال أحد أسباب حبي للسفر، وكل محاولاتي للكتابة عن السفريات دي، أو محاولات التصوير الفوتوغرافي، أو حتى الفيديو كلها بتتمحور حولين استكشاف العلاقة دي بيني وبين المكان اللي بروحه، أو بين المكان وبين الناس اللي كانو أو لسه عايشين فيه.

Dhobi Ghat (Mumbai Diaries) - 2009
Dhobi Ghat (Mumbai Diaries) - 2010

لحد اللحظة، مشفتش فيلم قدر يجسد علاقة المكان\المدينة بالبشر بالجمال والرقة والحدس زي ما Kiran Rao ما عملت في الفيلم دا. أربع شخصيات رئيسية ومومباي هي الشخصية الخامسة اللي ليها دور في حياة كل واحد من الأربعة، بنفس قوة تأثيرهم على بعض. 

في كم رهيب من التشابهه بين اللي خلقته Kiran في الفيلم، وبين اللي بيلفت انتباهي شخصيا لما أروح مكان ما. التفاصيل الصغيرة جدا في طريقة تعامل كل شخصية مع المدينة. من أول المشهد الافتتاحي، مرورا بطموحات وأحلام كل شخصية، وتعاملهم مع واقعهم المفروض عليهم، لحد مرحلة الاستسلام له أو الـ letting go. 

كَمّ قصص ومواقف مشابهه مريت بيها في الفيوم أو النوبة أو سيوة أو استنبول، أو اتحكت لي من ناس قابلتهم في كاترين مثلا أو في البحاروة. وأحلامي إني في يوم أقدر أعبر عن كل دا بشكل ما بصريا، أو حتى بالكتابة كأضعف الإيمان. فتيجي Kiran وتعبر عنه كله  بكل سلاسه وحميمية.  

Dhobi Ghat (Mumbai Diaries) - 2010
Dhobi Ghat (Mumbai Diaries) - 2010

للأسف - أو يمكن لحسن الحظ، مش عارفه! - دا الفيلم الوحيد اللي من تأليف وإخراج Kiran. هي في الأصل executive producer. دورها تساعد مُخرجين تانين إن أفلامهم تتنفذ وتطلع للنور. فللأسف مفيش معلومات كتير الواحد يقدر يستشف منها هي بتفكر إزاي أو بتشوف العالم إزاي. بس مجرد مشاركة الجزء الصغير دا من عالمها مع الناس فهو كفيل إنه يخليني أحبها جدا.

فيلم شاعري، بعيد تماما عن الشكل المتعارف عليه للسينما الهندية بأنماطها المشهورة، سواء استيلات بوليوود الزاعقة، أو حتى الكلاسكيات التقيلة، واللي بالمناسبة Kiran وزوجها Aamir Khan (اللي كمان قام بتمثيل أحد الشخصيات الرئيسية في الفيلم وشاركها في الإنتاج) الاتنين اشتغلو فيهم وحققو شهرة ونجاحات تجارية وفنية ومكانة من خلالهم. من أول Lagaan: Once Upon a Time in India (2001) لحد Dangal (2016) أو حتى Taare Zameen Par (2007).

****
Away We Go (2009)
Away We Go (2009)

# Away We Go - والبحث عن السند والأمان والوطن:
"كنت هتقبل الفيلم دا إزاي لو إتفرجت عليه وأنا في العشرينات؟".. دا السؤال اللي فضل معلق في ذهني بعد فرجتي على الفيلم للمرة الأولى.. ولسه معلق بعد الفرجة للمرة التالتة أو الرابعة يمكن.

كنت هتقبله إزاي لما كنت لسه في العشرينات، وقت لما مكنش عندي أسهل من اطلاق الأحكام؟ وكان عندي إجابات نهائية وقاطعة عن كل شيء وأي شيء؟ وكان من أهم قناعاتي وقتها إن الحل الوحيد والأوحد للتعامل مع الخوف - أي خوف - إنه لازم ولابد وحتما القضاء عليه من الجذور، ودي قاعدة غير قابلة للنقاش.

هل كنت هقدر أتفهم مخاوف الثنائي Burt وVerona عن الوالدية ومسؤلية الإتيان بطفل للعالم دا زي ما أنا قادرة دلوقتي؟ هل كنت هلقط الشبه بين رحلة بحثهم عن أصدقاء ومجتمع وبيت شبههم أو على الأقل متقبلهم بلا شرط، وبين نفس الرحلة اللي كنت بخوضها - بدون أي اختيار أو ترتيب أو ادراك مني - وأنا في العشرينات؟

الحقيقة... معرفش!! مش عارفه أجاوب على الأسئلة دي!

بس اللي أعرفه إنهم شبهي جدا دلوقتي.. خصوصا Verona. معرفش بقى هل دا بسبب إني في نفس سنهم، فهي طبيعة مرحلة عمرية بمتطلباتها بمخاوفها بطموحاتها بالأسئلة الوجودية اللي بتشغلها. ولا لإني - تقريبا يعني - خلصت الرحلة زيهم، ووصلت لمرحلة التصالح والـ settle in زيهم. ومعضلة "مش عارفه أنا عايزه إيه، بس اللي شيفاه متاح قدامي مش هو اللي عايزاه" مبقتش مأزماني زي قبل كدا. حتى رعبي من الخلفة والأمومة والـ parenting، بقيت متقبلة فكرة إنه في أنواع من الخوف لا يمكن القضاء عليها بالكلية، وهتفضل ملازمة الواحد زي ضله طول حياته، وإنه محتاج بس يتعلم إزاي يتعايش معاها بشكل إيجابي. 

Away We Go (2009)
Away We Go (2009)

فيلم من أخف أفلام Sam Mendes روحًا وأثرًا وظلًا، وحتى ميزانيةً وحجمًا. ويمكن Sam من المخرجين اللي صعب شوية تخمن هو بيشوف العالم إزاي لأنه - أولا - مش بيكتب الأفلام اللي بيخرجها. وثانيا، ببصة سريعة على أعماله، الواحد ممكن ياخد انطباع إن مفيش حاجة مشتركة ما بينهم، ودا مش صحيح إطلاقًا.

في تيمتين رئيسيتين الواحد ممكن يستشفهم في أفلام Mendes عمومًا. الأولي، الوالدية وعلاقة الآباء بالأبناء. ودي ظهرت في:
التانية، الشخصية اللي بتحاول تلاقي معنى لحياتها عن طريق الهروب من عيوبها وضعفها، بالايمان بحاجة ما كبيرة وبراقة، تغطي احساسها بعدم الرضا عن نفسها. ودا كان في:

هنا بيتكلم عن الوالدية وعلاقة الآباء بالأبناء. لكن المرة دي الشخصيتين الرئيسيتين متصالحين مع عيوبهم ومخاوفهم. أو يعني بمعنى أدق، مبيحاولوش يغطو عليها بشعارات رنانة زي مثلا الثنائي في Revolutionary Road أو American Beauty. وطبعا انبسطت جدا لما لقيته قال في انترفيو إن الفيلم دا أقرب لطريقة تفكيره ورؤيته للحياة عن Revolutionary Road.

ثالثا، Sam له باع طويل وكبير وتقيل في المسرح أنا معرفش عنه أي حاجه حتى اللحظة. دا غير إن فيلمين جيمس بوند اللي أخرجهم مش ناوية أشوفهم الصراحة، لأني مش من هواة النوعية دي من الأفلام. وكمان فيلم 1917 (2019) مختلف تماما عن كل ما سبق. فهو مخرج مش سهل خالص قراءته بطريقة واحدة. مش زي مثلا Asghar Farhadi اللي كل أفلامه عن كدبة بيضا صغيرة بتحول حياة الكل لجحيم. أو Christopher Nolan اللي كل أفلامه عن ناس عندها مشكلة مع الوقت والزمن.
****
Away We Go (2009)
Away We Go (2009)
فيلم عن الواحد وعلاقته بالمدينة الكبيرة المحيطة بيه. وفيلم عن الواحد وأسرته الصغيرة والدايرة الإجتماعية الضيقة المحيطة بالأسرة دي. أظن دا كل اللي بهتم بيه وشاغل تفكيري حاليا. وحتى اللحظة، دول أكتر فيلمين معبرين عن إزاي بشوف العلاقات دي.

لو شوفتو واحد من الفيلمين دول قولولي رأيكم.. ولو ليكم إنكم تخرجو فيلم موجود بالفعل، إيه هو؟ وليه؟ 

Friday, August 11, 2017

هرطقات (4): معارك كبيرة بلا جعجعة صاخبة

أفلامي المُفضلة -عندما كنت مُراهقة- كانت تلك التي يحارب فيها البطل بعزم وتحدي وحشهُ الكاسر. حينما يتقلد سيفهُ، بعد أن يُلملم شتات نفسه المرهقة المنهكة تمامًا إثر سلسلة من المعارك الصغيرة السابقة، التي استهلكت كل قواه الجسمانية والنفسية والروحية.

تلك اللحظة التي يسكن فيها، جاثيًا على ركبتيه، مُكورًا لقبضة يديه في غيظ مكتوم. يَعُد فيها خسائره، ووعوده لنفسه بالنصر المظفر، مع كل نفسٍ طويلٍ يزفره من رئتيه اللتين بالكاد يستمسكن بالهواء لثواني...

ثم بعد كل ذلك، ينهض. مطلقا لصرخة -أو سُبة. يشهر سيفه.. وينطلق كالسهم في وجه عدوه.


صورة متكررة كثيرًا.. وأحببتها كثيرًا.. حَد الإيمان بها وتصديقها.. واتخاذها منهجًا في الحياة.. حتى أدركت حجم السذاجة والبلاهة المفرطة للفكرة ككل.

كان علي أن أخوض كل تلك المعارك لأدرك وأيقن أن معارك الحياة لا تقاد ولا تكسب بالصياح والجعجعة. ولا بتكرار "أنا قوية.. أنا بطلة.. علي أن أكسب.. عليّ أن أحارب كما يحارب الجنود في ساحات القتال".

أنا لست جندية!
وأنا لست بطلة فيلم هوليوودي!
وأنا لا أواجه وحشا بتلك السذاجة!

صرت موقنة أن الأبطال لا يتحدثون بنبرة الضحية (أو حتى الناجي) كثيرًا.
هم خاضوا معاركهم. كسبوا ما كسبوا. وخسروا ما خسروا.. لكن إدراكهم لما خاضوا، ولحجم أثره عليهم، يجعلهم على قناعة أنهم ليس عليهم اثبات أي شيء لأي شخص مهما كان.

قد يمرروا ما تعلموه لمن يستأنسون به. ويلتمسون فيه صدقٍ وإخلاص.. ليس لذاتهم... إنما للعلم والمعرفة والحكمة... الحــكمـة.

القاهرة - 4\4\2017

Wednesday, May 3, 2017

My 5 Years of Magical Thinking

Had just finished reading Joan Didion's book, "The Year of Magical Thinking". I guess I found it recommended in some top-so books to read on some magazine website. The Times maybe, or Life, or so. Can't recall and it doesn't really matter. What matter is the questions I had in mind the moment I first picked it up to read, till this very moment of writing this post. Those questions, I feel I need to keep a record of them.

The first question that poped-up the moment I read the book's brief was:
Will I be able to read it without feeling the pain? The agony? Would I feel it? Or had I really healed as I'm trying to make myself believe?
*****
(*)In time of trouble, I had been trained since childhood, read, learn, work it up, go to the literature. Information was control. Given that grief remained the most general of afflictions its literature seemed remarkably spare... 

Beyond or below such abstracted representations of the pains and furies of grieving, there was a body of subliterature, how-to guides for dealing with the condition, some “practical,” some “inspirational,” most of either useless. (Don’t drink too much, don’t spend the insurance money redecorating the living room, join a support group.) That left the professional literature, the studies done by the psychiatrists and psychologists and social workers who came after Freud and Melanie Klein, and quite soon it was to this literature that I found myself turning.

I learned for example that the most frequent immediate responses to death were shock, numbness, and a sense of disbelief: “Subjectively, survivors may feel like they are wrapped in a cocoon or blanket; to others, they may look as though they are holding up well. Because the reality of death has not yet penetrated awareness, survivors can appear to be quite accepting of the loss.”

There were, I also learned from this literature, two kinds of grief. The preferred kind, the one associated with “growth” and “development,” was “uncomplicated grief,” or “normal bereavement.” Such uncomplicated grief, according to The Merck Manual, 16th Edition, could still typically present with “anxiety symptoms such as initial insomnia, restlessness, and autonomic nervous system hyperactivity,” but did “not generally cause clinical depression, except in those persons inclined to mood disorder.” The second kind of grief was “complicated grief,” which was also known in the literature as “pathological bereavement” and was said to occur in a variety of situations. One situation in which pathological bereavement could occur, I read repeatedly, was that in which the survivor and the deceased had been unusually dependent on one another. “Was the bereaved actually very dependent upon the deceased person for pleasure, support, or esteem?” This was one of the diagnostic criteria suggested by David Peretz, M.D., of the Department of Psychiatry at Columbia University. “Did the bereaved feel helpless without the lost person when enforced separations occurred?”

*****
Would it make ANY difference if I know about that that day ?Would knowing that back then, make things a little easier? Less painful?
*****
(*)Was it about faith or was it about grief?
     Were faith and grief the same thing?
*****
(*)Persons under the shock of genuine affliction are not only upset mentally but are all unbalanced physically. No matter how calm and controlled they seemingly may be, no one can under such circumstances be normal. Their disturbed circulation makes them cold, their distress makes them unstrung, sleepless. Persons they normally like, they often turn from. No one should ever be forced upon those in grief, and all over-emotional people, no matter how near or dear, should be barred absolutely. Although the knowledge that their friends love them and sorrow for them is a great solace, the nearest afflicted must be protected from any one or anything which is likely to overstrain nerves already at the threatening point, and none have the right to feel hurt if they are told they can neither be of use or be received. At such a time, to some people companionship is a comfort, others shrink from their dearest friends.

*****
Should I forgive myself now for my cold attitude back then?If those who were close to me aware of what's going on with me, would they picked it up, and helped me more effectively? At least tell me that there's something wrong with me, so I may figure it out somehow?
*****
(*)The English social anthropologist Geoffrey Gorer, in his 1965 Death, Grief, and Mourning, had described this rejection of public mourning as a result of the increasing pressure of a new “ethical duty to enjoy oneself,” a novel “imperative to do nothing which might diminish the enjoyment of others.” In both England and the United States, he observed, the contemporary trend was “to treat mourning as morbid self-indulgence, and to give social admiration to the bereaved who hide their grief so fully that no one would guess anything had happened.”
*****
Is this from where Aldous Huxley inspired the death scene in his "Brave New World"? God! That scene was so irritating for me when I read it first time when I was a teen! And didn't know why!! 
Do I know why now?
Why I hided it so fully that no one would guess anything had happened?
What exactly made me do so?
How come that I felt that I have to do so?
*****
(*)You sit down to dinner and life as you know it ends.
    In a heartbeat.
    Or the absence of one.
*****
Does the "life as you know it" end once in a lifetime?
Why I can count almost SIX times "the life as I know it" ended? 
How fragile and fake that life was, to end (collapse would be the more accurate word) five times in a course of three years?!
Would it be different if it all collapsed once? Would it be easier? Less painful?
*****
(*)People who have recently lost someone have a certain look, recognizable maybe only to those who have seen that look on their own faces. I have noticed it on my face and I notice it now on others. The look is one of extreme vulnerability, nakedness, openness. It is the look of someone who walks from the ophthalmologist’s office into the bright daylight with dilated eyes, or of someone who wears glasses and is suddenly made to take them off. These people who have lost someone look naked because they think themselves invisible. I myself felt invisible for a period of time, incorporeal. I seemed to have crossed one of those legendary rivers that divide the living from the dead, entered a place in which I could be seen only by those who were themselves recently bereaved.
*****
I had that look, didn't I? I know I did!
So, why no one noticed it?I noticed it later on, whenever I look at a picture of me before "the life as I know it ended", and after. 
*****
(*)He believed he was dying. He told me so, repeatedly. I dismissed this. He was depressed.

    Why did I keep stressing what was and was not normal, when nothing about it was?
*****
Why did I dismissed it?!!Why did I arrogantly ignore all the warning signs?Was I arrogant? Or was I too coward and frightened to face them?
*****
(*)Read, learn, work it up, go to the literature.
    Information is control.
*****
If only I knew that back then. If only I know that I need to read, to learn, to work it up. If only I knew that I need help, to learn where and from whom to ask for it. That would definitely shorten the 5 years into way less time.  
*****
(*)What would I give to be able to discuss this with John?
    What would I give to be able to discuss anything at all with John? What would I give to be able to say one small thing that made him happy? What would that one small thing be? If I had said it in time would it have worked?
*****
What would I give???
*****
(*)Survivors look back and see omens, messages they missed.
They remember the tree that died, the gull that splattered onto the hood of the car.
They live by symbols. They read meaning into the barrage of spam on the unused computer, the delete key that stops working, the imagined abandonment in the decision to replace it.

*****
(*)There came a time in the summer when I began feeling fragile, unstable. A sandal would catch on a sidewalk and I would need to run a few steps to avoid the fall. What if I didn’t? What if I fell? What would break, who would see the blood streaming down my leg, who would get the taxi, who would be with me in the emergency room? Who would be with me once I came home?

I thought about this later.

I realized that for the time being I could not trust myself to present a coherent face to the world.

I realized that since the last morning of 2003, the morning after he died, I had been trying to reverse time, run the film backward.
It was now eight months later, August 30, 2004, and I still was.

The difference was that all through those eight months I had been trying to substitute an alternate reel. Now I was trying only to reconstruct the collision, the collapse of the dead star.

*****
(*)Grief turns out to be a place none of us know until we reach it. We anticipate (we know) that someone close to us could die, but we do not look beyond the few days or weeks that immediately follow such an imagined death. We misconstrue the nature of even those few days or weeks. We might expect if the death is sudden to feel shock. We do not expect this shock to be obliterative, dislocating to both body and mind. We might expect that we will be prostrate, inconsolable, crazy with loss. We do not expect to be literally crazy, cool customers who believe that their husband is about to return and need his shoes. 

In the version of grief we imagine, the model will be “healing.” A certain forward movement will prevail. The worst days will be the earliest days. We imagine that the moment to most severely test us will be the funeral, after which this hypothetical healing will take place. When we anticipate the funeral we wonder about failing to “get through it,” rise to the occasion, exhibit the “strength” that invariably gets mentioned as the correct response to death. We anticipate needing to steel ourselves for the moment: will I be able to greet people, will I be able to leave the scene, will I be able even to get dressed that day? We have no way of knowing that this will not be the issue. We have no way of knowing that the funeral itself will be anodyne, a kind of narcotic regression in which we are wrapped in the care of others and the gravity and meaning of the occasion. Nor can we know ahead of the fact (and here lies the heart of the difference between grief as we imagine it and grief as it is) the unending absence that follows, the void, the very opposite of meaning, the relentless succession of moments during which we will confront the experience of meaninglessness itself.

*****
(*)As a child I thought a great deal about meaninglessness, which seemed at the time the most prominent negative feature on the horizon. After a few years of failing to find meaning in the more commonly recommended venues I learned that I could find it in geology, so I did. This in turn enabled me to find meaning in the Episcopal litany, most acutely in the words as it was in the beginning, is now and ever shall be, world without end, which I interpreted as a literal description of the constant changing of the earth, the unending erosion of the shores and mountains, the inexorable shifting of the geological structures that could throw up mountains and islands and could just as reliably take them away. I found earthquakes, even when I was in them, deeply satisfying, abruptly revealed evidence of the scheme in action. That the scheme could destroy the works of man might be a personal regret but remained, in the larger picture I had come to recognize, a matter of abiding indifference. No eye was on the sparrow. No one was watching me. As it was in the beginning, is now and ever shall be, world without end. On the day it was announced that the atomic bomb had been dropped on Hiroshima those were the words that came immediately to my ten-year-old mind. When I heard a few years later about mushroom clouds over the Nevada test site those were again the words that came to mind. I began waking before dawn, imagining that the fireballs from the Nevada test shots would light up the sky in Sacramento.

Later, after I married and had a child, I learned to find equal meaning in the repeated rituals of domestic life. Setting the table. Lighting the candles. Building the fire. Cooking. All those soufflés, all that crème caramel, all those daubes and albóndigas and gumbos. Clean sheets, stacks of clean towels, hurricane lamps for storms, enough water and food to see us through whatever geological event came our way. These fragments I have shored against my ruins, were the words that came to mind then. These fragments mattered to me. I believed in them. That I could find meaning in the intensely personal nature of my life as a wife and mother did not seem inconsistent with finding meaning in the vast indifference of geology and the test shots; the two systems existed for me on parallel tracks that occasionally converged, notably during earthquakes. In my unexamined mind there was always a point, John’s and my death, at which the tracks would converge for a final time.
*****
Is that what it all was about? Finding meaning? Realizing that what I used to find meaning in, was not what really matter? That it was fake? Unreal? Unrealistic?  Was it the only way to realize the things that truly matter, and to appreciate them? Does it really have to be the only way? The extremely hard way of agony? For all that time?
*****
(*)People in grief think a great deal about self-pity. We worry it, dread it, scourge our thinking for signs of it. We fear that our actions will reveal the condition tellingly described as “dwelling on it.” We understand the aversion most of us have to “dwelling on it.” Visible mourning reminds us of death, which is construed as unnatural, a failure to manage the situation. “A single person is missing for you, and the whole world is empty,” Philippe Ariès wrote to the point of this aversion in Western Attitudes toward Death. “But one no longer has the right to say so aloud.” We remind ourselves repeatedly that our own loss is nothing compared to the loss experienced (or, the even worse thought, not experienced) by he or she who died; this attempt at corrective thinking serves only to plunge us deeper into the self-regarding deep. (Why didn’t I see that, why am I so selfish.) The very language we use when we think about self-pity betrays the deep abhorrence in which we hold it: self-pity is feeling sorry for yourself, self-pity is thumb-sucking, self-pity is boo hoo poor me, self-pity is the condition in which those feeling sorry for themselves indulge, or even wallow. Self-pity remains both the most common and the most universally reviled of our character defects, its pestilential destructiveness accepted as given. “Our worst enemy,” Helen Keller called it. I never saw a wild thing / sorry for itself, D. H. Lawrence wrote, in a much-quoted four-line homily that turns out on examination to be free of any but tendentious meaning. A small bird will drop frozen dead from a bough / without ever having felt sorry for itself.

This may be what Lawrence (or we) would prefer to believe about wild things, but consider those dolphins who refuse to eat after the death of a mate. Consider those geese who search for the lost mate until they themselves become disoriented and die. In fact the grieving have urgent reasons, even an urgent need, to feel sorry for themselves. Husbands walk out, wives walk out, divorces happen, but these husbands and wives leave behind them webs of intact associations, however acrimonious. Only the survivors of a death are truly left alone. The connections that made up their life—both the deep connections and the apparently (until they are broken) insignificant connections—have all vanished.

I could not count the times during the average day when something would come up that I needed to tell him. This impulse did not end with his death. What ended was the possibility of response. I read something in the paper that I would normally have read to him. I notice some change in the neighborhood that would interest him. I recall coming in from Central Park one morning in mid-August with urgent news to report: the deep summer green has faded overnight from the trees, the season is already changing. We need to make a plan for the fall, I remember thinking. We need to decide where we want to be at Thanksgiving, Christmas, the end of the year.

I am dropping my keys on the table inside the door before I fully remember. There is no one to hear this news, nowhere to go with the unmade plan, the uncompleted thought. There is no one to agree, disagree, talk back. “I think I am beginning to understand why grief feels like suspense,” C. S. Lewis wrote after the death of his wife. “It comes from the frustration of so many impulses that had become habitual. Thought after thought, feeling after feeling, action after action, had H. for their object. Now their target is gone. I keep on through habit fitting an arrow to the string, then I remember and have to lay the bow down. So many roads lead thought to H. I set out on one of them. But now there’s an impassable frontierpost across it. So many roads once; now so many cul de sacs.”

We are repeatedly left, in other words, with no further focus than ourselves, a source from which self-pity naturally flows. Each time this happens (it happens still) I am struck again by the permanent impassibility of the divide. Some people who have lost a husband or wife report feeling that person’s presence, receiving that person’s advice. Some report actual sightings, what Freud described in “Mourning and Melancholia” as “a clinging to the object through the medium of a hallucinatory wishful psychosis.” Others describe not a visible apparition but just a “very strongly felt presence.” I experienced neither. There have been a few occasions (the day they wanted to do the trach at UCLA, for example) on which I asked John point blank what to do. I said I needed his help. I said I could not do this alone. I said these things out loud, actually vocalized the words.
******
Is that what really hit me? Being repeatedly left? Was that really what caused me all the anger? all the frustration? all the panic attacks whenever I get to know anyone new? 
*****
(*)I know why we try to keep the dead alive: we try to keep them alive in order to keep them with us.

I also know that if we are to live ourselves there comes a point at which we must relinquish the dead, let them go, keep them dead.
Let them become the photograph on the table.
Let them become the name on the trust accounts.
Let go of them in the water.
Knowing this does not make it any easier to let go of him in the water.
*****
Do I know now?
If so, how come I'm not there yet?
How to let go? Is there a way I need to learn? Or is there something in me that still need resolving? 
*****
So, if almost 99% of what Joan experienced I'd experienced it as well, what difference would it make if I was aware of "Grief" as much as I am now?
Well, those were the easiest questions to list. There's more hard ones that I couldn't even form. I just know that they are there, waiting to be answered... Someday hopefully.

-------
(*) Quoted from Joan Didion's book, "The Year of Magical Thinking".