Saturday, February 1, 2014

مستلزمات الرجاء

ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:
أحدها: محبته ما يرجوه.
الثاني: خوفه من فواته.
الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان.

وأما رجاء لايقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني. والرجاء شيء والأماني شيء آخر. فكل راج خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات.
 
وفي جامع الترمذي، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من خاف أدلج (سار بالليل)، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".

وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال الصالحة. فعلم أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل. قال الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * وْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ" - (المؤمنون - 57:61). 

وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضى الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقلت: "أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟"، فقال: "لا يا إبنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، يخافون أن لا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات".

والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن. ومن تأمل أحوال الصحابة رضى الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف.

فهذا الصديق كان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل. وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى قوله "إن عذاب ربك لواقع" فبكى وإشتد بكاؤه حتي مرض وعادوه. وقال له إبن عباس: "مَصّر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل وفعل...؟!" فقال: "وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر".

وهذا عثمان بن عفان كان إذا وقف على القبر يبكى حتى تبل لحيته وقال: "لو أننى بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لإخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير". وهذا على بن أبي طالب رضي الله عنه كان يشتد خوفه من أثنتين: طول الأمل واتباع الهوي. قال: "فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما إتباع الهوي فيصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولاتكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولاحساب، وغدا حساب ولا عمل".

قال البخاري في صحيحه: "باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر".

من كتاب: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي - لإبن القيم الجوزي

Post a Comment