Monday, March 31, 2014

أحد العمرين

عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه - متحف آياصوفيا - استنبول
عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه
متحف آياصوفيا- استنبول
هناك مواقف في السيرة أقف أمامها بعض الوقت، وعليها بعض علاملات الاستفهام.

على سبيل المثال، عندما دعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعز الله الإسلام بأحد العمرين، لما اختار الله عمر بن الخطاب ولم يختر عمرو بن هشام؟ أو على أقل تقدير لما لم يهده إلى الإسلام كما هدى صديقه أبو سفيان؟ (لاحظ أني قلت "الإسلام" ولم أقل "الإيمان"). 

لو إفترضنا نظرية أن الاسلام أو الإيمان يُهدى إليه الأقرب لرسول الله من ناحية صلة الدم، فإبن هشام أولى بها من إبن الخطاب. لكن القرآن لايعترف بتلك النظرية، ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) [ الْبَقَرَةِ : 272] . (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص: 56].

ولو افترضنا نظرية أن الله هو مالك الملك، (وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [القصص: 68]. فهى نظرية صحيحة في المطلق. لكن ربي هو"العدل"، ومن مظاهر عدله أنه سبب المسببات ووضع قوانينه في أرضه، ولم يستثني منها أحد أبدا. بما في ذلك رسله وأنبيائه.

إذا، لماذا إبن الخطاب، وليس إبن هشام؟! الإثنان كانوا يدينون بالوثنية، وكانوا من أسياد قريش، ذوي نسب وشرف. والإثنان كانوا من أشد الناس تنكيلا بالمسلمين الأوائل، كما حاولوا قتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم). كل منهم خطط وسعى للإغتيال، وعزم عليه. ما الفرق إذا؟

******

جاء الأخنس بن شريق قائد بني زهرة إلى أبي جهل بن هشام بن المغيرة ولما اختلى به سأله قائلاً: "أترى محمداً يكذب؟" فقال أبو جهل: "ما كذب قط وكنا نسميه الأمين ولكن إذا كان في بني هاشم السقاية والرفادة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة فأي شيء لبني مخزوم؟".

إبن هشام كان "يقر" الحق و يعرفه ويراه واضحا، إلا أنه حاربه أشد محاربه فقط "لمصلحته الشخصية" البحته. هي معركة مصالح إذا.
******

عمر بن الخطاب كان غضبه من الرسالة الجديدة تلك الظواهر التى رأها وسمع بها. ظواهر التفرقة التي أحدثتها بين الأب و إبنه، والمرء وزوجه. وهو الذي عمل بالرعي وشارك في حروب قريش وكان سفيرها. أي أنه يعي تماما ما تسببه الفرقة والتناحر الداخلي من ضعف وهوان على باقي العرب.

عداوته على الرسالة الجديدة كانت من دافع خوفه على قومه من التفرق و التشتت وضعف وحدة صفهم. هو - حتى لحظة هجومه على أخته فاطمة في بيتها- كانت صورة الدين الجديد غير واضحه ومشوشة بذهنه. إلى أن قراء من القرآن شيئا، فأقر الحق و تبعه و جهر بذلك.

******

في كل مرة أقرأ فيها تعليقا على أي إنسان قتل بسبب ذلك الفساد المسرطن المتأصل في بالوعة المجاري التي نحيا فيها الآن من نوعية: "لا نشمت في الموت، لكنه إنتقام الله" أو "إنها إخوان تستحق القتل" أو "دول مسيحيين في داهية" أو "دول بتنجانيين، ربنا يحرقهم" أو .. أو.. أو.... أتخيل وجه رسول الله وهو يقول: "اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين". 

أتخيل فيما كان يفكر وقتها.. أتخيل فيما كان يفكر من سمع قوله من المسليمن وقتها، وما كان رد فعلهم ودرجة استيعابهم وإدراكهم لما يدعي به - صلى الله عليه سلم .

أتخيل كل شخص إنهال عليه سيل السب والقذف العلني، هل كان كابن هشام أقر الحق ثم حاربه؟ أم كان كابن الخطاب لم يدري سبيل الحق، لكن بمجرد أن هُدي إليه إتبعه و جهر به و حارب من أجله كما لم يحاربه من قبل؟

هل كان كإبن الخطاب في صراعه الداخلي المتشكك الباحث عن الحق، ثم رأى -ممن يزعمون أنهم أُولى الحق- غلظة و تأول على الله، فظل على دينه وعلى معتقداته؟

******

Post a Comment