Wednesday, March 25, 2015

أول (وثاني) مرة نوبة: إلى الذين سيعيدون للعالم بهاءه الذي خلقه الله عليه

لم يكن كل ما حُكي لي، وكل ما رأيته من صور وأفلام عنها إلا قدر يسير مما تحويه من جمال وبهاء أخاذ.. 
 
(*) أملأ صدري بالهواء، وأتمنى لو كان هذا يحبس الجمال في نفسي. لماذا نشعر بالعجز أمام ما يُبهجنا بهذه الصورة.

تبدو الكلمات صغيرة، باهتة أمام ما أشعر به. سأكرر مفردات تبدو حمقاء لأصف ما في نفسي. لن أتحدث، لن أصف شيئًا. لماذا أصف؟ لأُبقي ما أشعر به في نفسي الآن؟ لا أريد أن أُشغل عنه بأي شيءٍ.

أغلق عيني، وأدع الهواء يتسرب إلى داخلي. يملؤني، من قدمي إلى رأسي، رويدًا رويدًا، وأنا سعيدةٌ به.

يملؤني صوت الماء، ومرأى الناس يلعبون حوله بفرح واسع. أحسُ كأني خُلقت شيئًا جديدًا، طائرًا لا يبالي بشيءٍ، سوى القفز بين قمم الأشجار.
أين كانت روحي قبل أن أولد؟...

هنا، ولدت هذه العقيدة... هنا الأرواح تحل، وتتناسخ. هنا، ظن الناس أنهم في الجنة، فبحثوا عمَّا يبقيهم فيها بعد موتهم، فتخيلوا أن أرواحهم ستحل في آخرين بعد رحيلهم.
لا أعرف أين كانت روحي من قبل.

****

يتحرك المركب بنا بسرعة لا بالبطيئة المملة، ولا بالسريعة اللاهثه، متيحا لي فرصة تأمل تفاصيل كل ما نمر به من كتل صخرية بوسط النهر.. بيوت على ضفافه... زخارفها وألوانها.. المراكب الراسية.. 

النوبة - أسوان - مارس 2015

 أمدُّ يدي إلى الماء أملاء به كفِّي.
عذبٌ، باردٌ.
أغسل وجهي ثم أعود أملؤها لأشرب.
وكلما شربت ، أحسست السعادة تغمرني.
أخلع حذائي، وأدلي ساقي خارج حافة المركب، بالكاد تلامس قدمي الماء.

...وحولي...  ضحكات، يرويها ماء النهر  فتزهر في الوجوه.
وأنا..
روحٌ خفيفةٌ سمت فوق كل شيءٍ.

أغمض عيني، وأترك خرير الماء يرتب نفسي.
 
... في حضرة الجمال، يبدو العالم نقيًّا كما خلقه الله، لا زيف فيه ولا خطيئة.
 
وقتها تذكرت تلك السطور التي قرأتها منذ أكثر من عام:
" أرسلت إلينا رسلك..
كل من كشفت لنا بهم جمال خلقك هم رسلك..
بداخلهم سكن العالم..
يسمعون همسه إليهم في كل حين..
قلقون حين لا يدركون ما هم فيه..
تنازعهم نفوسهم إلى السمو..
غرباء أغيار عمن حولهم..
حتى إذا طاف بهم النداء: "قم إلى الدنيا فاكشف أسرارها.."
ولم يعلموا أي سر سيكشفون، قالوا:" من نحن حتى نكشف أسرار العالم؟.. لسنا سوى طلاب معرفة دميت أظفارهم بحثا عنها؟!"..
"قم إلى الدنيا.. واكشف للناس جمالها"!! ..
قلق من سمع النداء، وأحس العجز.
ولا عون على ذلك لمن لم تعنه.
"
أشعر أنه ما من دعاءٍ يُرَدُّ هنا.
يارب؛
اجعلني رسول الجمال للعالم. اكشف لي أسراره، واجعله طريقي إليك.

... كنتُسعيدةً كطفلة صغيرة. لاتدرك من الزمن إلا لحظتها الراهنه، فسعادتها سعادةٌ ممتدةٌ؛ لا شيءَ قبلها ولا شيء بعدها.

أحببت النوبة كما لم أحب بلد من قبل.. بكل تفاصيل الزيارتين(**) اللتان قضيتهما هناك: الأمكان التي زرتها، من قابلتهم من أناس، وما ممرت به من أحداث، وما أدركته من قرارات و تغيرات أثناء خلوتي بنفسي.

الذي قال: "خذ من كل بلد حبيبا"، هل كان يُقدِّر الألم في عبارته هذه؟ وأيُّ إنسانٍ ذلك الذي يتحمل أن يتوزع قلبه في البلاد، وهو مقيِّد في مكانٍ واحدٍٍ؟!

جزيرة سهيل - النوبة - أسوان - مارس 2015

المزيد من الصور هنا: https://flic.kr/s/aHsk8EtxZi

-----
(*) كل ما هو مكتوب باللون البرتقالي، بالإضافة إلى العنوان، هو اقتباسات من رواية "الرئيس" لـ "محمد العدوي". صادرة عن تنوير للنشر والإعلام.

(**) الزيارة الأولى كانت في فبراير 2015. الثانية كانت في مارس 2015. الزيارتان استمرتا أربعة أيام.

Post a Comment